الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1954 محمد بن صالح ناصر

الصحف العربية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٨٨

50 - النبراس - الجزائر (1933)

على الرغم من قرار إدارة الشؤون الأهلية الاستعمارية من حكمها المسبل بمصادرة كل ما يحرره أبو اليقظان ومنعه من التداول ما لم يخفف من لهجته ويغير من موقفه، فإن أبا اليقظان لم يستسلم …

بل إنا نراه في أقل من شهر من مصادرة "البستان" يصدر صحيفة جديدة باسم "النبراس" وقد صدر العدد الأول منها في 21 جويلية 1933) وفي افتتاحية العدد الأول من التحدي، وروح المقاومة والاصرار ما يبعث على الإعجاب والاندهاش.

وآية ذلك ما تضمنتها الافتتاحية من نقد لاذع لموقف السلطة الاستعمارية من الصحافة العربية في الجزائر بصفة عامة، وصحافة أبي اليقظان بصفة خاصة ولأهمية الموضوع وعلاقته بما نحن في صدده نورد أهم النقاط التي اشتمل عليها هذا المقال

:

يبين الكاتب في بداية المقال ما للصحافة من فضل في توجيه الشعوب وتربيتها، وبنائها في جميع مناحي الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية وهي في الوقت نفسه اللسان الصادق الذي يعبر عن ضمائر الأمم لدى الدول والحكومات ما لم يهدد هذا اللسان بالمقراض من حين لآخر … وما لم يقف قانون المصادرة على الرقاب كالسيف المسلط، وفي هذا تعريض واضح بالسياسة الفرنسية إزاء الصحافة العربية في الجزائر. والرأي عند أبي اليقظان أن دور الصحافة جد خطير إذ لا أمل في النهوض بغير هذه الوسيلة الفعالة، فهي في توجيهها للشعب وتربيته أشبه بالمدرسة السيارة التي تدخل البيوت حاملة لشتى الفنون لسائر الطبقات … وهي في قدرتها على بث الوعي ونقد الحالات المرضية الاجتماعية وإيجاد الحلول لها أشبه بالمستشفى المتنقل المحتوي على أطبائه وأدواته، وأدويته. إذا كانت هذه هي المكانة الحقيقية للصحافة بين الأمم، وذلك هو تأثيرها الفعال في بناء المجتمعات … فإن كل سعي من شأنه الإشادة بصاحبة الجلالة وصيانتها يقابل من طرف الشعب بكل اجلال وتقدير واعتبار وكل محاولة من شأنها الحط من كرامتها تقابل "بالمقت، والسخرية، والاحتقار على أن

القسية بين الشعب الجزائري، والاستعمار الفرنسي - حسبما يراه أبو اليقظان

لم العد متعلقة بمصادرة صحيفة، أو اغلاق مدرسة، أو تعطيل مشروع … لأن هولة التاريخ لا تدور إلى الوراء أبدا، وأنه من المستحيل أن يعود الشعب الجزائري إلى غفوته السابقة وقد أخطأ التقدير والحساب كل من يظن أن الأمة الجزائرية أمة عريقة في التوحش والهمجية والفوضى، بل أنها أمة عريقة اللسان مسلمة العقيدة ماجدة التاريخ "فهي لا تنتمي لغير أصالتها العربية الاسلامية ولا تتصل بغير حضارتها وتاريخها، وقد سرى هذا الإحساس النيل في شرايينها فنفضت عنها غبار النوم إلى الأبد بعد أن استجابت لآذان الإصلاح ودعاة النهوض، وكان من أبرز هاتيك الأصوات المنبهة لها صوت الصحافة الحرة لذا فإن أبا اليقظان راح يؤكد للمستعمرين، وبأسلوب يثير الحيط والحيرة في نفوسهم - بأن محاولتهم القضاء على الصحافة الحرة إنما جاء بعد الأوان لأن هذه الصحافة قد أدت رسالتها حين أيقظت الأمة وعرفتها بواجباتها الوطنية ودلتها على أعدائها فمن المستحيل إذا أن تعود إلى غفوتها السابقة، بل أن كل محاولة لإعادتها لها لا تعود عليها إلا بزيادة التنبيه. ولأجل هذا خضنا هذه الغمرات، وتطوعنا في هذه الجمعية الخيرية لإسعاف هذه الأمة المسكينة البائسة بما تيسر لنا من الأدوية وتلقينا كل ما أصابنا هذا في السبيل من المحن والنكبات بصدر رحب، وثغر باسم بدون من، ولا طلب جزاء وعلى هذا برزنا في هذه الليالي السود والساعة الحالكة بهذه الصحيفة الجديدة متخذين منها "نبراساً لإنارة هذه السبل الملتوية أمام الأمة العزيرة. والواقع أننا بالعودة إلى "النبراس نفسها متفحصين محتوياتها نجدها

لم تخرج أبدا عن خطة الجرائد التي سبقتها مضمونا وشكلا، أفكار وأسلوبا فقد اهتمت بالأخبار المحلية اهتمامها بالقضايا الاسلامية، وناصرت الفكرة الإصلاحية أينما كانت في ميزاب أو في الجزائر، أو في المغرب أو في مصر وفتحت صدرها للأقلام الاصلاحية والوطنية مهما كان وطنها، جزائرية أو مغربية أو مصرية أو ليبية.

1. عن العدد الأول من النبراس

171

170