الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1954 محمد بن صالح ناصر

الصحف العربية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٩٠

وقد قدم لهذا المقال المطول بسرد قصة طريفة اقتبسها عن "كليلة ودمنة مفادها أن جماعة من الحمام وقعت في شباك صياد، وكاد اليأس يسلمها للمصير المحتوم، لولا حكمة ورصانة "مليكة الحمام التي أوصت جماعتها بمحاولة الطيران الجماعية بالشبكة في جهد يبذلنه جميعا مرة واحدة، عوض أن تحاول ذلك كل واحدة من الحمام بمجهودها وبطريقتها الخاصة وهكذا نجحن في الطيران بالشبكة، وذهبن إلى الملك "زيرك" الذي خلصهن من الشباك واحدة واحدة وبهذا التدبير المحكم انتصرت إرادة الحياة بفضل التعاون الجماعي أمام خطر محقق.

ثم يعلق "أبو اليقظان" على هذه القصة قائلا:

"لقد رأيتم أيها السادة من هذه القصة، أن في التعاون وجمع الكلمة وتوحيد الصفوف، سر كل فوز ونجاح، وهكذا كان، فنحن نرى أنه ما فازت أمة بناصية المصاعب وما نال شعب أقصى الأماني والرغائب، إلا بفعل التعاون والتعاضد في حضيض الذل والهوان بعد رفعة الشأن، وما سقطت وما تدهورت أمة جماعة إلى قرارة البؤس والشقاء بعد العز والغناء، إلا بسبب التخاذل والانقسام.

ثم يبين لذلك شروط التعاون حسبما يراها هو في الإحساس المشترك بالألم وتحديد الأمر الذي من أجله يقع التعاون - الإيمان الصادق بنجاح المشروع المتعاون عليه - أن تفنى الرغائب الفردية في الرغائب الجماعية. الاتصاف بالأناة والتثبت وكظم الغيظ … الخ.

أما المجالات التي يجب أن يكون فيها التعاون فهي التجارة، والفلاحة والصناعة، وتأسيس جمعيات خيرية لمساعدة الأيتام، والطلبة المنقطعين عن التعليم ليكملوا تعليمهم، وإعانة العاطلين عن العمل … وإقامة كيس خاص لإعانة المنكوبين بالأزمة الاقتصادية الراهنة، وعقد جمعيات لإصلاح ذات البين بين المواطنين المتخاصمين من أجل قضايا مادية وجمعيات أخرى للدفاع عن الاسلام ورد هجوم خصومه، وعقد شركة تعاونية وطنية للنشر

والتأليف …

وبهذا يكون التعاون في كل المجالات، وبهذه الطريقة يؤدي إلى النتيجة

المرجوة:

ومن ثم يتبين لنا بأن البعد الحقيقي للمقال بعد وطني وأن اتخذ لبوسا اجتماعيا وأحيانا يكون المقال صريحا في هذا الاتجاه الوطني، كهذا المقال

في الأسلوب الأدبي الذي نجهل كاتبه الذي وقعه باسم "أنيس" راح يناجي فيه الجزائر مناجاة حارة، تكاد تكون بعض فقراته دعوة صريحة إلى الثورة والتمرد على الظلم والاضطهاد كهذه الفقرة مثلا: "قدمت الشعوب ضحايا كثيرة من أبنائها تطلب عوضها شمس الحرية المضيئة، ففازت بمناها، وكللت مساعيها بالنجاح والفلاح أما أنت فلازلت سخرية الكروب وكرة القدم. التقاذفك النوائب والخطوب، فهل آن وقت طلوح شمسك مثل غيرك؟ أم قد غربت وراء جبال الأبدية، فلا طلوع ولا شروق. واهتمام "النبراس" بالاتجاه الإصلاحي يتجلى في مقالاته العديدة المنصبة في أغلبها نحو هذا الموقف، منها ما كان مهتما بالحركة الإصلاحية في وادي ميزاب وما كان بينها وبين خصومها المحافظين من معارك، اجتماعية وسياسية وثقافية من هذا ذلك المقال الطويل الذي كتبه "سعيد" تحت عنوان الانتقام السافل .. أسبابه، علله ونتائجه، يوضح فيه الأساليب التي يستخدمها خصوم الاصلاح في عرقلة الحركة، ويبين بأن النتيجة كانت دائما تجيء على عكس ما يريده لها سير الخصوم.

ومن هذه المقالات ما كان مهتما بالأحداث الإصلاحية الجزائرية بصفة عامة يتجلى ذلك في الترحيب الحار الذي استقبلت به "النبراس" ظهور صحيفة "الشريعة لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي جاء فيها ما يلي:

كان العرب يقيمون الولائم لثلاث: لفارس إذا مهر ولخطيب إذا برز فسحر، ولشاعر ظهر فبهر، ونحن اليوم يحق أن نقيمها لثلاث: لجمعية خيرية إذا أسست، ولمدرسة حرة إذا أنشئت، ولجريدة صحيحة المبدأ إذا برزت. … يجدر بنا أن نحتفل بهذه الزميلة العزيزة إن لم يكن بالموائد فبالقلوب والأرواح وبامدادها بما يؤيدها ويعززها من فكر ومال، فنحث الأمة على الإقبال عليها، واشباع النفوس من أغذيتها المنعشة.

175

174