الشيخ القرادي الحاج أيوب إبراهيم بن يحيى 1923-1989م: رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب يحيى بن بهون حاج امحمد

الشيخ القرادي

الجزء ١ · صفحة ٤٦

الوليمة وحفلة التتويج

لقد تحدثنا فيما سبق عن حفلة التتويج ويقال لها بالمزابية "أيريض" وهو الإلباس، ويعنون بذلك إلباس العريس لباسه التقليدي الممتاز، ويقع هذا في اليوم الذي يسبق ليلة الدخول والعشاء، وقد كان الناس في القديم يختارون يوم الأحد أو يوم الأربعاء فقط ثم صاروا اليوم يختارون يوم الخميس وذلك تبعا للعطلة الرسمية بالنسبة للجزائر وطلبا لتيسير الحضور على الموظفين والعمال والمعلمين، ولسنا نعلم سببا لاختيار الأحد إلا أنه يقال أن بدأ خلق الدنيا كان يوم الأحد وهذا أمر مشهور، فإنهم يختارون الأحد حتى لبدء البناء أو حفر البئر أو أي عمل مبتكر، أما الأربعاء فلا نعلم لها معتمدا والمهم أن الناس اليوم لم يعودوا يتمسكون بهذه الأمور ولكننا في معرض ذكر كل الدقائق التي تمكننا من إعطاء صورة صادقة لهذا المجتمع كيف كان وكيف حاله اليوم وتتمثل هذه الحفلة في إعداد وليمة تختلف القرى اليوم في وقتها أما في القديم فقد كانت بعد صلاة العصر مباشرة في أكثر القرى، أما اليوم فقد طرأت عليها تحسينات تبعا للظروف، فالأوائل الله قرروا الوليمة بعد العصر كانوا يراعون الفلاحين الذين يشتغلون في الواحات والعمال الذين يعملون ومن المعلوم أن المجتمع الإسلامي لا يرى بعين الرضا وليمة يحضرها الوجهاء ويحرم منها الفقراء، وقد ندد رسولنا الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم بذلك حين قال: شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الأغنياء ويترك الفقراء"، ولذلك حرص الأوائل _رحمهم الله أن يحضرها الأغنياء والفقراء على السواء، ولكن اختيارهم لوقت بعد العصر كان تقديما لمصلحة الفقراء على الأغنياء ولو شاءوا لجعلوها وقت الغذاء وألزموا الضعاف أن يتركوا عملهم من أجل وجبة من الطعام وفي هذا ما فيه من العنت والحرج وهناك من يزيد وليمة صغرى في الليل بعد العشاء ليقبل إليها من لم يتمكن من الحضور في العَشِيَّة مثل أصحاب

حين

الدكاكين أو المشغولين في السوق في "الدلالة"، ولقد طرأ على وقت الوليمة تغيير

كبير وذلك كسبا للوقت واختصارا للنفقات التي أصبحت ترهق كاهل الضعيف، وذلك لأن وجبة العصر كانت في القديم تُغني عن الغداء والعشاء، أما اليوم فرأينا الناس لا يرغبون في الأكل بعد العصر إن أكلوا في منتصف النهار، ولذلك رأى ذوي الرأي أنه من اللائق أن تكون الوليمة في وقت الغداء أو في وقت العشاء حتى يتمكن للجميع الحضور، حتى الذين كانت لهم أعمال في العَشِيَّة ولم تسمح لهم بالحضور، وأمكن حتى للناس الذين يحرسون المكاتب الحكومية عند منتصف نهار الخميس أن يحضروا حفلة التتويج يحضروا حفلة التتويج بعد قضاء سبع ساعات في الطريق بين العاصمة

وقرى مزاب.

كيف تكون هذه الوليمة؟!

يبدأ الناس بعد صلاة العشاء مباشرة في التوافد جماعات ووحدانا إلى محل العرس إما إحدى دور العشائر وإما المدرسة ويجدون في استقبالهم أعيان عشيرة العريس عند مدخل الدار، وإذا اكتمل مجلس العزابة وغالبا ما يجيئون في مقدمة الناس من المسجد مباشرة، وبعد أن يستقر بهم المجلس يفتتحون سورة الأنعام في قراءة جماعية تبعث الخشوع والرهبة في الجميع فإذا بلغوا إلى قوله: "وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه (1) يقوم بعض العزابة فيلبسون للعريس حانكا الشعار الرسمي للعزابة فوق لباسه الجديد، العادي ويربطون هذا الحائك بحزام أحمر من حرير، ثم يُعطّرُ هو ومن معه، ويتقدم الأبناء الصغار كل يحمل ملابسه الجديدة ليلبس لهم العزابة ملابسهم كذلك، وهذه من أغلى أماني الأبناء عندنا كما سيأتي الكلام على البنات، وكذلك أماني، والديهم ويجلس كل أولئك الأولاد أمام

1 - الأنعام، الآية 83.

وهو

93

92