الشيخ القرادي الحاج أيوب إبراهيم بن يحيى 1923-1989م: رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب يحيى بن بهون حاج امحمد

الشيخ القرادي

الجزء ١ · صفحة ٤٩

الليلة

ا كما أن هذه العادة تشترك فيها النساء وذلك أنه قبل دخولهم الْحَجبة إذا عادوا من المقبرة يرافقون العريس حتى داره فيُقبِّلُ رأس أمه وجدته أو الخالات والعمات وتُمكِّنُ له والدته مع ما أعطت له قريباته من دراهم، أما الهدايا الأخرى فتبقى في الدار، وملاحظة أخرى هي أنه إذا وقف أمام داره "ليلة البناء" وهي الأولى من العُرس لا يتركون العريس يدخل إلا إذا جاءت وصيفته تسير أمامه وتوصله إلى بيته السعيد، وغالبا ما يكون البيت في السطح الأول إذ يجد والدته في انتظاره في أعلى درج السطح فتباركه وتزوده بدعواتها الصالحة وتمكن له هدية يقدمها لزوجته عند الدخول.

هذا ما تسنى لنا أن نذكره عن وليمة العُرس بالنسبة للشباب، بقي علينا أن نذكر باختصار ما هي مظاهر الحفلة عند آل البنت وكيف يتم زفافها لزوجها وذلك ما يأتي في الفصل المقبل، وقبل أن أختم الحديث الذي أود لو كان أطول، أريد أن أؤكد أن جميع ما يتعلق بالأعراس مُقَنَّنٌ من طرف العزابة، سواء في ذلك الصداق وكيفيته أي يكون مالاً أو ملابس أو ذهبا وقيمته وكل ما يهديه الزوج لزوجته، سواء في الليلة الأولى أو الثالثة أو السابعة، وكل ما يُصنع من طعام أو شاي أو التقل يُسيَّر بكل دقة تحت إشراف العزابة وبأمرهم ومراقبتهم، وقد تعرضنا لكل هذا سابقا، وليس معنى هذا أنه لا توجد أي مخالفة، ولكن اقتناع الناس بصلاحية هذه الأوامر وإخلاص العزابة فيما يريدونه من خير لهذا المجتمع وراحة الناس من هذه الأوامر، كل ذلك جعل انتهاك الأوامر في بعض الحالات ولدى بعض الأشخاص أمرًا يكاد يكون شُذوذا عن القاعدة، وهذا طبعا مما يُقرها كما هو معروف والشيء الوحيد الذي نستطيع أن نطمئن إليه هو أن أي مقترح لتحسين وضعية الأعراس وتسهيلها يلقى القبول والتأييد والتشجيع من طرف مجلس العزابة، ولقد اضطروا للقضاء على كثير من العادات الجميلة لا لشيء إلا لما فيها

أن

من إرهاق للضعفاء مثل عادة إخراج الزرع التي تحدثنا عنها في الفصول السابقة، وذلك لما فيها من إرهاق الميزانيات المحدودة، ولا يمكن أن نسمح للغني أن يفعل ما يشاء في عُرسه لأن هذا بطبيعة الحال سيضطر الفقير إلى أن يحذو حذوه وهذا ما لا يستطيعه أو أن تكون حفلته مختصرة وهذا يخلق تعقيدا في نفس الفقير وعائلته وهذا ما نود أن نمحوه من مجتمعنا، نعم نحن مؤمنون بالله وبالقرآن الذي يقول الله فيه: "نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا" الآية (1)، ولكننا كذلك نؤمن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: سيروا" على قدر ضعفائكم"، ففي المستطاع وبشيء من الحكمة والتعقل أن نكفكف من غرور الأغنياء ونذكرهم بأحوالهم، إذا كان يغلب الصلاح على هذا المجتمع المسلم، ولكننا لا نستطيع أن تحمل الفقراء فوق ما يستطيعون حتى يجاروا الأغنياء ويسابقوهم، وقد يقول قائل لماذا لا تتركون كل واحد يصلى صلاته ويسير على حسب قدرته؟! ونحن نجيب إن هذا أمر واقع في السير العادي واليومي فلسنا في يوم من الأيام نتدخل في مصاريف الناس اليومية أو فيما يقدمون لعائلاتهم في الأعياد والمناسبات من الحلي أو من الملابس فذلك أمر سيري مختص به كل واحد في بيته وإن كنا طبقا لتقاليد الإسلام نحارب الترف والبذخ والإسراف، إنما مراقبتنا وقوانيننا فيما يتعلق بالأعراس والمظاهر العامة التي يطلع عليها كل الناس، وقد بينا فيها ما يضر بالمجتمع، ولسنا هنا في مقام مناقشة إلا أننا نبهنا على هذه الملاحظة التي قد يبديها الناس وعلى كل حال فلا نزال إلى هذا الذي وفق أسلافنا إلى التمسك بهذه الطريقة، كما نحمده أن وفقنا لا للإتباع فحسب ولكن لتحسينها وجعلها متماشية وما يتطلبه منا عصرنا، وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا.

اليوم

نحمد الله

- الزخرف، 32.

99

98