الوجه الحي لمقابر مزاب
الجزء ١ · صفحة ١٠أحيانا، طبيعة الأرض لا تسمح بحفرها بالوسائل التقليدية. عندئذ يبنى القبر بناء على سطح الأرض. عدد من هذه القبور موجود وسط مقبرة الشيخ بامحمد وغرب أروقتها أسفل الجبل، لاحظت عليها بعض الانصداع وانكشاف الصفائح الحجرية التي تسدّها، وذلك بفعل عوامل الطبيعة من رياح وأمطار وبرد.
بعد انتهاء عملية الدفن يدور الإمام برجله اليمنى حول القبر، مبتدئا من عند رأسه، وهو يقرأ من أوّل سورة يس إلى قوله تعالى: "فأغشيناهم فهم لا يبصرون"، ثم يناديه باسمه مضافا إلى أمّه ثلاث مرّات، ويقول له: "اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيئًا وبالقرآن إماما"، وهو ما يعبر عنه بتلقين الشهادة. ط التحليق والصدقة
وقت عملية الدفن يجلس المشيعون الذين لا يشاركون فيها، فيقرؤون سورة يس وخواتم القرآن، حتى إذا ما التحق بالمجلس من كان تولّى الإقبار وانتهى الإمام من تلقين الشهادة، وقف الجميع في حلقة مفرغة وقد أُبعد منها من كان في براءة المسلمين ودعا الإمام بدعاء معلوم، ثم يجهرون بالتعزية الجماعية: "عظم الله أجركم".
بعض أولياء الأموات صاروا اليوم يفضّلون الاكتفاء بهذه التعزية الجماعية وعدم إحراجهم بالاصطفاف قبل الانصراف لمصافحتهم وتلقي التعازي الفردية.
بعد الدعاء الآنف الذكر، يجلس الجميع وتوزع عليهم الصدقات، تنفيذا
لما أوصى به الهالك وتفاديًا للإسراف والتفاخر، فإن حلقة العزابة نصت في
وثيقة قراراتها الصادرة يوم 27 رمضان 1419 هـ / 15 جانفي 1999 م، على أن تقتصر هذه الصدقات على التمر والخبز وعلى أن لا يزاد على نصف الخبزة لكلّ حاضر، ومنعت صدقة الدراهم. إذا حضر الجنازة من هو أهل للوعظ والإرشاد، وكان الوقت مناسبا، طلب منه أن يعظ الناس ويذكرهم مادامت نفوسهم متأثرة بجلال الموت. ي التعجيل بالدفن
قديما كان لا يترك من توفي قبل غروب الشمس ينتظر الدفن إلى صبيحة اليوم الموالي. بل كانوا يعجلون بتجهيزه ودفنه. وقد أدركت جنائز أقيمت بعد صلاة المغرب على ضوء المصابيح البترولية. وذلك، عملا بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجلوا بدفن الميت، فإنّه لا ينبغي أن تحبس جيفة مسلم بين ظهراني أهله». وقال أيضا: من مات بكرة فلا يقيلن إلا في قبره، ومن
مات عشيّة فلا يبيتن إلا في قبره. أما الآن، فقد وقع التساهل كثيرا في هذا الباب، انتظارا لحضور ولد أو
أخ مثلا، فزودت غرفة التجهيز لهذا الغرض بوسائل التجميد. وبهذا الصدد، أشير إلى الطامة الكبرى التي هي نقل الأموات إلى مقابر مزاب من بلدان بها مقابر للمسلمين. وسيتحمّل القائمون بهذا التصرف كل ما قد يصيب الميت من أذى ناتج عن حركة السفر وعن تعفن الجثة الناتج عن تأخير الدفن. لقد زوّد أجدادنا معظم مدن الشمال بمقابر فسيحة، تنتظر من يشكر النعمة ويستغلها بما حبست أجله، ويصونها من الضياع والزحف الذي ينقصها من أطرافها كفانا غفلة وسذاجة واعتقادات باطلة.
من
15
14