الوجه الحي لمقابر مزاب
الجزء ١ · صفحة ١١ك - القراءة على الأموات: 18 العطلة الربيع العربي جرت العادة قديما أن يقرأ عدد من الطلبة نصيبا من القرآن، في الليالي الأولى من الوفاة، عند قبر الميت. وتسمى تلك العادة: أسنسي أنيل بالميزابية، وتعني العبارة: "التبييت في القبر". كانت المدّة تتراوح بين ثلاث ليال وست عشرة ليلة حسبما أوصى به الهالك بعد إتمام القراءة في المقبرة يتوجه هؤلاء الطلبة إلى دار العزاء لتناول عشائهم المنصوص عليه في الوصية برا وسمنا ولحما. وقد أدركت ذلك في بونورة خلال شهر ديسمبر من عام 1981. توقفت هذه العادة عندنا في بني يزفن خلال فترة الحرب التحريرية
لأسباب أمنية، واقتصر على القراءة في دار العزاء ليلا.
أما نهارا، فمن العادة كذلك أن يوصى الهالك بالقراءة عند قبره مدّة أربعين يوما، وبقراءة نواوير القرآن أو سورة الأنعام كل يوم إثنين، وسور الكهف ويس والصافات أو سورتي الكهف والملك كل يوم خميس، مدة سنة إلى ثلاث سنوات. ل - توسيم القبر
يتم التوسيم يوم الدفن أو في اليوم الموالي. ويُتحاشى يوم الأربعاء إذا كان المتوفى ذكرا، تشاؤماً وتطيرا ما أنزل الله به من سلطان. يتوجه عدد من النساء الحاضرات في العزاء إلى المقبرة، لوضع علامة على القبر. هذه العلامة عادة ما تكون أحد الأواني التي كان يستعملها الميت في حياته إبريق، صحن، كوب ورد ذكر توسيم القبر في أحد قرارات مسجد بني يزفن الصادرة عندما كان الشيخ عبد العزيز الثميني شيخا للحلقة، علما أنه تولى المشيخة عام 1201 هـ / 1786 م وتوفي عام 1223 هـ / 1808 م. وفي حالة العربية
الزائر للأحياء القديمة في مقابرنا الأربع ليعجب مما يشاهده من الأواني الفخارية الموضوعة على القبور ويتساءل عن حقيقة ما يرى. لقد عددت على أحدها حوالي عشرين إناء! والملاحظ أنّ هذه الأواني معطوبة عمدا، تما يضمن بقاءها حيث وضعت.
لكن المقبرتين القديمتين الموجودتين في حي يدّر وغرب البلد خاليتان من هذه الأواني، مما يدلّ على أنّ هذه العادة استحدثت في عهد ما. ويبدو لي أن هذه الظاهرة عودة لطقوس جاهلية طفت على السطح في عهد طغى عليه الجهل والبدع. في مقبرة الشيخ بالحاج عدد محدود من القبور تحمل آنية فخارية واحدة. من جهة أخرى، فإن بعض النّاس يعمدون إلى بناء ما يسمى "تمسجدًا" عند رأس الميت، وهي عبارة عن ثلاث أحجار مصفحة تشكل
محرابا صغيرا توضع فوقها حجرة رابعة، وقد يُمسك الكلِّ بالتمسمت. بالنسبة لشيوخ البلدة، فإنّهم يحظون بأربع شرفات على مقام من الشكل السابق وبحجم أكبر، فيجصص المقام والقبر، ويُطلى ويعاد طلاؤه من حين لآخر. أما إذا كان صاحب القبر شيخًا رسميا لوادي مزاب فإنه تضاف إلى مقامه شرفة خامسة تتوسط الشرفات الأربع. تعرضت في السنوات الأخيرة بعض هذه الشرفات للتخريب، بدعوى محاربة البدع، وهو تبرير غير مقبول مدنيا ولا شرعيا. وقد ابتدع بعض المواطنين وضع رخامات على قبور أوليائهم، يسجلون عليها أسماءهم وتاريخ وفاتهم. سئل فضيلة الشيخ بيوض عن ذلك فأجاب قائلا: "إننا لا نستطيع أن نقول إن وضع مثل هذا الشاهد على القبر حرام لا يحلّ إتيانه. وإنما نقول إنه مكروه، لأن النبيل النهي عن تسنيم القبور وتحصيصها والكتابة عليها ( … ) وقد سلك سلفنا الصالح هذه السنة النبوية، فتركوا قبور أوليائهم غفلا
17
حلف
16