أضواء على وادي ميزاب
الجزء ١ · صفحة ٣٤أضواء على وادي ميزاب ماضيه وحاضره
قسم التحقيق
السوداء، كانت تُقَثّر على المسلمين تقتيرا فاحشا، بعدما يختلس الكتاب والمحتسبون منها نصيبهم الموفور.
ولم يقتصر هذا الظلم السافر على الذين يمشون على الأرض من المسلمين، بل سبقهم إلى الأجنّة في بطون أمهاتها، إذ يكفي أن تدلي الحامل غير المسلمة بشهادة الحمل لتأخذ قسطها وقسط مولودها المنتظر من اللباس والغذاء، بينما لا يُسمح للحامل المسلمة بأخذ شيء من ذلك؛ حتى تضع حملها، وما يدريك لعل المولود لا يكون بشرا!!! 2
3
وإذا كتب الله السلامة والعافية بعد كل هذه الإجراءات للتاجر أو المستهلك المسلم؛ فما كان له أن ينجو من يد «شرطة المراقبة»؛ التي كانت جد حريصة على تطبيق سياسة الامتصاص والاستنزاف والتفقير، حرصًا تركها تطارد المسلم في دكانه وفي قعر بيته آناء الليل وأطراف النهار وتلاحقه بأساليب وحشية من ضرب وتعذيب وترويع وسواء كان آثما أو بريئا؛ فهو «المذنب رغم أنفه، ولا مناص له من إحدى ثلاث: البقشيش الباهظ مالا، أو الغرامة الفادحة ارتجالا، أو السجن حالا.
ومن البديهي وقد أصبح التاجر المسلم بعد الحرب؛ يتطلع إلى الشراء من المصانع الأروبية مباشرة، ويهتم بتجارة الجملة والتكتل
1. في الأصل: الغير المسلمة». وهو خطأ لغوي عام. والأصح أن يقال: غير المسلمة. فالألف واللام لا تدخلان على كلمة (غير).
2. المؤلف هنا يتهكم من الإجراءات التعسفية للإدارة الاستعمارية، وميزها العنصري، وهو الذي خبر كلّ ذلك وعايشه عايش ويلات الاستعمار الفرنسي الذي لا يضاهيه إلا الاستيطان الصهيوني المجرم الجاثم على أرض فلسطين منذ أكثر من 60 عاما، وقد بدا تلميذا ناجحا في تقليد جرائم فرنسا في الجزائر.
3. يبدو أن المقصود هو: «عقر بيته).
في نطاق شركات أن يكون التجار الإسرائيليون إلبا عليه مع الاستعمار، دفاعا عن غريزة الاستغلال الموروثة فيهم، إذ يشعرون أن البقرة الحلوب الضاحكة؛ قد انقلبت عابسة ثائرة تتأهب للانفلات والانعتاق وأنّ التاجر الجزائري المسلم تعلم أن يقطع البحر إلى أروبا وأن يتحرّر من الحجر والوصاية الإسرائيلية التي كانت تفرضها عليه عُزلته وانحلاله ومركبات النقص التي ركزها فيه الاستعمار الغاشم. قلطة منه فتأسست شركات جزائريّة ضخمة؛ كان الميزابيون من طلائعها في سائر أنواع التجارة؛ من أقمشة ومواد غذائية وماعون، وحمامات عصرية، وشركات سينمائية، ومصالح النقل، وتقدم شبانهم إلى ميدان النيابة التجارية التي كانت من اختصاصات اليهود وبعض الفرنسيين، فنظموا مكاتب على الأساليب الحديثة، وربطوا أوثق الصلات بمعامل ومصانع أروبا وأميركا / 87 /. وتفرّع نشاطهم إلى ميدان الحرف والصناعة، فأسسوا مشاريع ضخمة للبناء والزراعة والتجارة، ومصانع محترمة للعطر، والصابون والحنّاء، والغسول المائي، والخل وصناعة النحاس. وهذه النهضة الاقتصادية التي قام بها الجزائريون عموما، والميزابيون منهم خصوصا، وساروا فيها بأقدام ثابتة وخطوات موفقة؛ أثارت عليهم حفائظ مستغليهم بالأمس من الإسرائيليين، فأعلنوها عليهم حربا عوانا بشتى الوسائل، فمن حملات الأراجيف، وإدخال
1. تجارة الماعون: لعلّها ما يعرف اليوم بتجارة الأواني المنزليّة. 2. الورقة مبتورة قليلا من اليسار في الأسطر الخمسة الأولى، فاجتهدت في وضع الكلمات وهي كلمة في كل سطر، يظهر حرفها الأول في بعض الأسطر. والكلمات هي: والزراعة المائي، منهم عليهم حربا، وهي الكلمات ذات الخط المائل في المتن.
المناسبة،
230
231