إشكالية العمران والمشروع الإسلامي إبراهيم بن يوسف

إشكالية العمران والمشروع الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ١٦

إشكالية العمران والمشروع الإسلامي

من

،

فازدهرت المدن وازدهرت عمارتها وفنونها وصناعتها، كما استقطبت أفواجا متتالية ومتزايدة لم تنقطع من البشر الذين وجدوا في الازدهار المدينى خير سبيل لترقية اجتماعية واقتصادية وثقافية مجسدة بهجرات كثيفة الأرياف إلى المدن. وعلى المستوى الاجتماعي أصبحت المدن الجديدة مجالات واسعة التقت فيها كل أصناف البشر وتطورت التركيبة الاجتماعية للمدن من التركيبة البسيطة المبنية على العلاقات الأولية أي القرابة إلى تركيبة معقدة تجاوزت تلك الهيكلة وأصبحت تضم فئات متنوعة ومتعددة تشترك في وحدة المجال. وهكذا ترتسم الأسس الأولى لهيكلة مجتمع أكثر تعقيدا بدأ يتحرر من العلاقات البسيطة والأولية ويتجه نحو استيعاب علاقات أكثر تعقيدا ما وهو بالعلاقات الثانوية. وهذا التحول الاجتماعي ينعكس بتحول سياسي على أنظمة الحكم التي تجاوزت الأنظمة العائلية محاولة تصور أطر أكبر

تستوعب العلاقات المعقدة الجديدة.

يسمى

هذا بصفة عامة بينما لم يتم هذا التحول من القرية إلى المدينة

الحرة في وقت واحد ولا بنفس الشكل في كل مناطق العالم. فكما أن الشرق كان رائدا في الحضارة الإنسانية الأولى، فكذلك كان بالنسبة لهذا التحول من المدينة الأولى إلى المدينة الحرة أو من الركود

إلى الازدهار العمراني. طبعا هناك كثير من العوامل تفسر هذا: فالوضع الجغرافي للجزيرة العربية كهمزة وصل بين منطقتين زراعيتين آسيا وأوروبا مهدها لهذه الوظيفة علاوة على التغيرات

المناخية وتصحر أكبر بقاع الجزيرة.

مسار العمران البشري ومشروعية

ثقافيا وتاريخيا، ساعدت التقاليد التجارية التي كانت تمارسها القبائل العربية قبل الإسلام ويبقى أهم هذه العوامل هو ظهور الإسلام الذي شجع هذا البعد الإنساني والعالمي. وبقيمه القائمة على تحرير الإنسان من هيمنة الإنسان وعلى مبادئ العدل والحق الساعية لحماية مصالح العباد والبلاد ساعد على تفجير الأوضاع القديمة الراكدة والقائمة على الهيمنة والسيطرة. فتحررت المدن بسرعة وتحررت الأرياف من هيمنتها وسيطرتها وتحرر المجتمع من القيود الإنسانية، فشقت سبل الاتصال والتبادل والدعوة والتي كانت كفيلة بجلب الخيرات والمعارف ونقلها من مكان إلى آخر، فازدهرت بذلك المدن وعمرانها وفنونها وازدهرت العلوم والثقافة وازدهرت الصناعة والاكتشافات العلمية ونالت المدن مكانة في الفكر الإسلامي على غرار ما ناله الاجتماع البشري. كما نالت المدن والازدهار العمراني قسطا وافرا من الإسلامية. على مستوى الاجتماع ولو أنه تم في المدينة الإسلامية استيعاب الهياكل التقليدية القائمة على القرابة، فقد تم تجاوزها بهيكلة متحررة من كل القيود البشرية قادرة على استيعاب كل التركيبة المعقدة الجديدة، وفق المشروع الاجتماعي الإسلامي الذي يعتبر المجتمع البشري في علاقته بالخالق الواحد. أسسه نابعة من شريعة الخالق ومنسجمة مع فطرة الإنسان ليتساوى فيه أفراد المجتمع ويسود عليهم الحق والعدل. بعده إنساني وعالمي يتجاوز كل الهياكل المقيدة والمحدودة. وهذا ما انعكس إيجابيا على مؤسسات الحكم

الحضارة

29

28