إشكالية العمران والمشروع الإسلامي إبراهيم بن يوسف

إشكالية العمران والمشروع الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ١٨

إشكالية العمران والمشروع الإسلامي

انعكست الطرق الجديدة في استخدام وتحويل الطبيعة وانعكست الطاقات الجديدة بالتحول على جميع المستويات العلمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية و العمرانية.

وكلما سعى نحو التحرر تطور الإنسان، وبلغ درجات أكبر من تعقيد الأحوال. فقد تحرر الاقتصاد من سلطة الأسواق واستبدلت طاقة الإنسان والحيوان والنبات بطاقة الفحم (البخار) ثم البترول ثم أخيرا النووي واستبدل جهد الإنسان العضلي بجهد الآلة والمحرك. ارتفعت القوة الاستقطابية للمدن التي توسعت وتعقدت أحوالها، كما تعقدت بنية التجمعات البشرية وازدادت أحجامها وارتفعت وتيرة نموها وهذا ما انعكس على تحول الأنظمة الاجتماعية. كما تحول النظام الديموغرافي من النظام الطبيعي الراكد إلى نظام حديث يتميز بكثرة الولادات وانخفاض الوفيات وذلك إثرى التحسن في الظروف الصحية مما جعلنا نسجل في تلك الفترة تزايدا سريعا لنمو السكان وارتفاعا في أحجام سكان المدن.

كما فجرت الثورة الصناعية حركة عمرانية قوية جاءت في مرحلتين، في البداية في شكل تمركز مكثف حضري حول الأحواض المعدنية أي بمقربة من مصادر الطاقة والمادة الأولية وسرعان ما جاءت التطورات التي عرفتها الاتصالات والمواصلات (وخاصة الحديدية) كي تلغي حتمية المواقع، فيتحرر الاقتصاد إذ أصبح بفضل المواصلات والاتصالات الحديثة من السهل انتقال المواد

الأولية والطاقوية والرساميل والبشر.

مسار العمران البشري ومشروعية الحل

وهكذا من التمركز، نشهد عملية انشطار حضرية وظهور مدن كثيرة وجديدة تتربع فوق الأقاليم التي كانت سابقا أقاليم زراعية علاوة على النمو السريع الذي شهدته الأنوية الحضرية القديمة

والتحولات التي شهدتها القرى التي ارتقت إلى درجة مدن. وخير دليل على هذه الظاهرة من الناحية الكمية هي الأرقام الإحصائية التي يتداولها الباحثون وتعكس النمو الحضري السريع والمتزايد الذي فجرته الثورة الصناعية فى شكل نمو لمدن قديمة أو في شكل ظهور مدن جديدة. أما أهم الفروق التي نسجلها بين التجربة الصناعية في الغرب والتجربة في الدول النامية، هو أن الثورة الصناعية في الغرب وليدة أوضاع وشروط موضوعية نضجت بانسجام بين الظروف التاريخية والوسط بينما سجلت بدايتها في العالم الشرقي في جو التناقضات الاجتماعية والإقتصادية التي خلفها الاستعمار (وهذا ما سنفصله في فقرات أخرى).

-4 - 1 - الثورة الحضرية من المدينة الصناعية إلى المجمع الحضري

طبعا تزايدت الحركة الحضرية وأصبحت المدن تحتل الصدارة. فقد فجرت المدن الجديدة بأحجامها المرتفعة وبوتيرة نموها السريعة ليس فقط الهياكل القديمة المعمارية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وإنما كذلك الهياكل الإقليمية وكذلك استقطبت المدن سكان الريف الذين لم ينقطع توافدهم على المدن كأطر للترقية الاقتصادية

والاجتماعية والثقافية وتربعت المدن على الأقاليم الريفية.

333

32