إشكالية العمران والمشروع الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ١٩34
إشكالية العمران والمشروع ا
مسار العمران البشري ومشروعية أ
فاصطدم الإنسان بهجوم رهيب للحضرية، اقتصادا واجتماعا وثقافة وعمرانا، توسعت المدن لتتلاحم ببعضها البعض وتشكل هياكل مبنية وحضرية معقدة تشمل وتضم مجموعات حضرية متلاحمة. وتوسعت المدن على حساب أقاليمها الريفية المحيطة بها، وبدأ أقول الريف. ومع غياب النقيض وهو الريف غابت المدينة.
وحلت الثنائية (المركز والإطار) محل ثنائية المدينة والريف. واستبدل مصطلح المدينة بالمجمّع الحضري وحار اللغويون في تسمية التجمعات الكبرى بأحجامها الكبرى التي تتركب من التحام المدن في بريطانيا وأمريكا، سماها البعض الحضرية وسماها الآخرون العملاقة ومازال الجدال قائما.
منهم
التجمعات
أصبحت الهياكل العمرانية القديمة غير قادرة على الاستيعاب، فظهرت أمام هذا التوسع الرهيب، مشاكل الحدود والروابط والمقاييس التي تنعكس كذلك على مستوى الهيكلة السياسية والإدارية. وظهرت أحداث نابعة من الحضرية مثل الخط الحديدي الذي يشق إقليما زراعيا وما ينعكس عنه. تعددت هذه الأحداث و تكررت وانعكس عنها بروز حياة حضرية. فسادت الحضرية، عمرانا وثقافة على كل الأنماط التي عرفها التاريخ البشري ما جعل بعض المفكرين يرى في الحضرية بنية فوقية تحتل الصدارة ضمن محركات التحول البشري. واقتنع الكثير بضمها إلى الثورات التي تعبر عن منعطفات كبرى في مسار العمران البشري فدخلت الثورة الحضرية قاموس التاريخ. طبعا في مسيرة الإنسان نحو التحرر، استطاع أن يتحرر من
الكثير من الهياكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية القديمة.
الآن
فمن الروابط الأولية إلى الروابط الثانوية ثم إلى روابط المصلحة التعاقد والتعاقد. فمن مجتمع القرابة إلى مجتمع ومن المجتمع البسيط إلى المجتمع المركب ومن التضامن الآلي إلى التضامن العضوي ومن الضمير الجمعي إلى قيمة العقد. فمن المدينة العائلية توجه نحو تركيبة الأمة والدولة ويتجه إلى هيكلة أكبر تفجر الحدود الوطنية وأفق الدولة الإقليمية إلى تجمعات بشرية وسياسية أكبر وأعقد. وبينما كانت الأحجام سابقا صغيرة وبسيطة التركيب أصبحت الآن كبيرة ومعقدة التركيب. تباعدت المسافة بين دائرة القرار والشعب، فظهرت إشكالية المشاركة والتمثيلية. وبعدما كانت الممارسات التقليدية المتداولة بين الناس والمتوارثة عبر الأجيال قادرة على تجسيد وفاق اجتماعي وثقافي تعقدت الأمور بتراكيب تجمع مجموعات ثقافية واجتماعية متنوعة
ومتعددة. فطرحت إشكالية العمران وفق اهتمامين أساسين. محاولة فهم واستيعاب ميكانيزمات سيرورة وحركية العمران ومحاولة ضبط أنسب الصيغ والأشكال لاستيعاب الزحف الحضري. وهذه الإشكالية ما زالت تثير حركة فكرية قوية وتثير جدالا واسعا بين أوساط المفكرين والمنظرين المهتمين بالعمران الذي مازال يوما بعد يوم يفاجأ البشر بتحدياته. واقتناعا بتعقد الظاهرة العمرانية تتسع دائرة الفكر العمراني الآن لتضم كل المحاور المتفاعلة في الإنتاج العمراني والتي تتجاوز الأبعاد المادية والشكلية لتساهم كل العلوم الإنسانية في ترقية هذا الفكر.
25
35