إشكالية العمران والمشروع الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢١إشكالية العمران والمشروع الإسلامي
مسار العمران البشري ومشروعية الحل الإسلامي
وكل المعطيات الإحصائية المتداولة بين الاختصاصين تعكس الأحجام المتنامية بسرعة للمدن والحركية العمرانية الفائقة السرعة. أما الأحجام (والتي تقاس غالبا بالأحجام السكانية للحواضر وبالكثافات السكانية)، فترجع أساسا إلى كل التحولات التي يشهدها الوضع السكاني والديموغرافي (ارتفاع في المواليد وانخفاض في الوفيات (وإلى القدرة الاستقطابية للمدن الحديثة (والراجع إلى انتعاش اقتصادها) والتي تنعكس عنها الهجرات السكانية الكثيفة. أما الوتيرة الحركية السريعة، فهي راجعة إلى حدة التفاعل بين مكونات هذه التراكيب العمرانية المعقدة فيما بينها وبين هذه التراكيب وبين محيطها.
أي تفاعل أفقي بين أجزاء المركب العمراني (من اجتماع واقتصاد وسياسة وثقافة وعمارة) وتفاعل عمودي بين المستويات المتباينة للتراكيب العمرانية من أصغرها إلى أكبرها وكل واحدة تتفاعل مع التراكيب التي تحويها بمثابة محيطها.
وقد اقتصرت الإشكالية العمرانية الأولى في بداية هذه التحولات أي فى القرن 19 على فشل الهياكل القديمة (أي ما قبل الصناعية) في استيعاب الأوضاع الجديدة وما انعكس عن ذلك من تحول للتركيبة الاجتماعية وتدهور للأوضاع الصحية في المدن الصناعية.
تركزت اهتمامات المذاهب الحديثة في العمارة والعمران على الجوانب الصحية والمادية والأبعاد الوظيفية.
فضيق رؤيتها لم يستوعب تعقد وحركية التراكيب الجديدة وذلك باعتماده على المقاربة النموذجية والمقاربة الجزئية المعتمدة أساسا على الوظيفية. كما أنه فشل كذلك في سد الفراغ الذي تركه تهميش الإرث الجماعي المتمثل في الهياكل التقليدية بمجموعة القيم والخبرات والمعارف التي كان يتداولها المجتمع والمتوارثة عبر الأجيال والذي كان يجسد الوفاق الاجتماعي. ولم يقدر على استيعاب التراكيب الاجتماعية والثقافية الجديدة حيث تباعدت المسافة بين الحاكم والمحكوم وبين صاحب القرار وبين مصمم المدينة وساكن المدينة … الخ. وجاءت الحلول التي جسدتها إنجازات وأفكار المذاهب الحديثة في العمارة والعمران في شكل نماذج طوباوية نابعة من مخيلة المهندس وبعيدة عن الواقع. قائمة على تصور طبيعي وبيولوجي
والي للإنسان والعمران فسادت فيها الوظيفية الآلية. واعتمدت فيها أشكال انشطارية للمجال تتعدد مراكزها حسب تعدد الوظائف وتحتل فيها الفراغات الحرة والطبيعية مكانة هامة. فنتجت مجالات تتركب من مدينة النوم (الإقامة) ومدينة العمل
ومدينة الترفيه ترتبط فيما بينها بشبكة من الطرق السريعة. فتهميش الإنسان بكل أبعاده من تلك التصورات انعكس على العمران الحديث بآثار سلبية نفسية واجتماعية خاصة (وهذا ما أثبتته الدراسات) يجسدها نمو ظواهر حديثة في الأوساط الحضرية
38
39