إشكالية العمران والمشروع الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢٦إشكالية العمران والمشروع الإسلامي
وجاء مفهوم الشكل مرتبط بحتمية الحاجة من الإبداع وظروف الإبداع. فالحاجة هي الوظيفة التي يمليها قانون الطبيعة والظرف هي الأدوات والوسائل التي يوفرها المحيط (الزمني والمكاني) وهي الكفيلة ببلورة حتمية للشكل.
وقد تندمج هذه الفلسفة في الإطار العام الذي ساد مختلف العلوم في القرن 19 حيث كانت تنطلق من مبدأ السيادة المطلقة للطبيعة وتحتل الصدارة فيها العلوم البيولوجية والطبيعية التي كانت مصدر المفاهيم للعلوم الأخرى وتنطلق في معالجتها للظواهر من مبدأ الحتمية. وكذلك ذهبت نظرية داروين في التطور وفرويد في التحليل النفساني والنظريات التقليدية في الجغرافيا البشرية … إلخ. وينقسم المبدأ الحديث إلى تيارات منها الوظيفية والإنشائية. كما يلقب غالبا بالمذهب العقلاني.
وإذ تعتبر الأولى البعد الوظيفي أساسا في التصميم تعتبر الثانية البعد الإنشائي أساسا … وقد تراكمت الانعكاسات السلبية والتناقضات التي خلفتها تلك الهياكل والتصاميم کي تنعكس سلبا على المجتمع والأفراد بظهور أزمة التجمعات السكنية الكبرى. ومازالت تلك التجمعات حتى الآن مصدر القلق والشغب الاجتماعي في فرنسا وفي كثير من الدول.
وقد بدأت تظهر للوجود منذ الستينيات أفكار جديدة تتهيكل
في شكل تيارات جديدة أخذت اسم (ما بعد الحديث).
مسار العمران البشري ومشروعية الحل الإسلامي
وهي نتيجة نقد وغضب على الإنتاج العمراني الحديث وانعكاساته السلبية على المجتمع الإنساني ونتيجة توجه جديد للعلوم الإنسانية. وقد ساهمت المدرسة البنيوية في ذلك باكتشافاتها وما انتهت إليه أعمال ليفي استروس، قلبت المفاهيم وفتحت آفاقا منهجية جديدة لعلوم الإنسان. تزامن ذلك مع بداية انهيار مشروع العصرنة الليبرالي وأزمة الرأسمالية التي أطرت واستوعبت الإنتاج الفكري والإبداعي
الحديث.
وتزامن مع أزمة الإنسان والثقافة التي بلغت دورتها في وسط همش فيه الإنسان و همشت. رموزه و تزامن مع بروز إشكالية الأصالة والعصرنة.
وأهم توجهات هذه التيارات هي: - إعادة الاعتبار للإنسان الذي طالما همش أمام الطبيعة والآلية ليصبح الإنسان مصدر التقييم ومرجع الإبداع. - حولت الأنظار إلى أنظمة التصور والإدراك الإنساني للأشياء على حساب الأشكال الطبيعية والموضوعية للأشياء (الحتمية
الطبيعية).
- إعادة الاعتبار للواقع على حساب الخيال، فاستبدلت المخيلة بمعطيات الواقع وهكذا توجهت النظريات المعمارية من العلوم الطبيعية إلى علوم الإنسان لتستقي منها مفاهيمها ومناظيرها ومناهجها كعلم النفس والاجتماع واللسان والتاريخ ..
49
48