إشكالية العمران والمشروع الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٣٢مسار العمران البشري ومشروعية الحل الإسلامي
إشكالية العمران والمشروع الإسلامي
هذه ملاحظات عامة مبنية على أسس عامة للمنظور الإسلام للمشروع الحضاري تبرز مدى تجاوب المشروع الإسلامي مع ما يطمح
وهذا ما ساد الفكر عموما في القرن 19 حيث كانت تسود قوانين
الطبيعة على كل المفاهيم الأساسية وحسب أبعادها درست وعولجت
إليه الإنسان، كيفما كان وأينما كان وهي السعادة. لكن نتساءل ما الظواهر البشرية على أنها حتمية ضرورية للطبيعة (أنظر مذاهب
هو موقف الغرب وواقع المسلمين اليوم من هذا المشروع؟
25 موقف الغرب
العمارة الحديثة والجغرافيا ونظريات الحتمية داروين ونظرية التطور،
فرويد والتحليل النفساني … الخ).
ومن ذلك صدر المفهوم الوظيفي للإنسان ومفهوم العالمية الذي
أما الغرب: فرغم الشوط السريع والكبير الذي قطعه المجتمع يعتبر الاشتراك البشري فى الوظائف البيولوجية الآلية الطبيعية
الغربي في مسار التحرر، فهو ما يزال يتخبط في أزمات الهيمنة السيطرة والاستغلال والظلم والاستبداد ويتخبط في أزمة الأخلاق والمجتمع فى أزمة الحضارة وأزمة البحث عن الذات. مشروع العصرنة الغربي، وإن جاء مشروعا تحرريا، فلقد فجر الأطر التقليدية المبنية على الروابط الأولية (القرابة) وكسرها، فتحطمت دعيمتها وهي الأسرة. وهكذا مع تحرر الإنسان منها نهائيا، فقد حطم أولى الضوابط الأساسية لكونه.
أما الدعيمة الأساسية التي استبدلت تلك الروابط وهي المواطنة فلم تستطع لوحدها تأطير التراكيب الاجتماعية المعقدة الجديدة التي سرعان ما سقطت رهينة القيود المصلحية والقيود الطبقية. والعقد ذاته كإطار جديد لهيكلة هذه التراكيب الجديدة بقي رهينة السيادة المطلقة للإنسان.
وفي غياب مصدر مرجعي لإنتاج القيم وفي تحرره من المصدر الروحي سقط الإنسان في قيود الطبيعة التي أصبحت مصدرا للتصور وإنتاج القيم.
أساسا ومرجعا. والاعتراف بمبدأ السيادة المطلقة للطبيعة، جعل الإنسان رهينة أخيه الإنسان، بقدر ما يحاول التحرر من قيوده يسقط في قيود تتغير فقط في الشكل. والاعتراف بمبدأ السيادة للطبيعة أبقى الإنسان يتخبط في وحشية قوانينها. تحرر من قيود العبودية جراء الإقطاعية ليسقط في قيود الاستغلال الرأسمالي والاستبداد الجماعي، تحرر من القيمة الروحية ليسقط في قيود القوانين الطبيعية، فأصبحت الحرية تعني الخضوع للغريزة الإنسانية والخضوع للأقوى. لم تجد الديمقراطية، التي تبقى مجرد إجراء أو صيغة إجرائية رغم إيجابياتها سبيلا لنشر العدل، إذ أصبحت مصدر شرعية الأقوى. وبقي التشريع مطلقا بيد الأقوى يزيد للقوي قوة وللضعيف ضعفا. وهذا على جميع المستويات من أصغرها إلى أكبرها ومن أسفلها إلى أعلاها. وهو المستوى العالمي الذي تهيكله هيمنة القوي على الضعيف.
61
60
i