إشكالية العمران والمشروع الإسلامي إبراهيم بن يوسف

إشكالية العمران والمشروع الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٥٩

إشكالية العمران والمشروع الإسلامي

وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). (سورة الذاريات 56). أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون». (سورة المؤمنون 115)

وأن للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم نجزيه الجزاء الأوفى). (سورة النجم (39)

((

الانسجام القياسي

ومن منظور عمراني تبدو لنا المدينة الإسلامية ذات نسق عضوي بين أجزائها ونسق وظيفي متعدد ومتكامل، أما تركيبها فنلمس فيه انسجاما تاما بين جزءها وكلها حسب علاقة مطابقة بين الجزء والكل وفق تدرج هرمي لما بها من تباين في الحجم. فالمدينة تتكون من وحدة تركيبية أساسية وهى الدار تتكاثر تدريجيا لتتشكل منها الخطة ومن مجموع الخطط تتركب المدينة في شكل هرمي. وكثيرا ما يستعمل أدباء المدن كلمة دار كناية للمدينة لما بينها من مطابقة في الروح والمضمون والشكل، فكلتاهما فراغ حرام وسكن لأهلها. تبدأ المدينة بوحدة أساسية أو نواة وهي الدار لما لهذا المفهوم من معان. في وسط الدار مركز وغالبا ما يكون فضاءاً أي فناءاً مكشوفاً يهيكل الفراغات والوظائف فيما حوله ويستقطب جل الحركة من الاتجاهات وتتمحور حوله الفراغات والوظائف فتتجه الدار نحو داخلها وتنفتح نحو السماء فتتشكل بذلك واجهتها الرئيسية وهي رأسية وتستتر عن الفراغ الخارجي بجدران تحدد حرمها وتفصل بين داخلها وخارجها منافذ حاجبة كثيرا ما تكون على شكل دهليز يصل بين داخلها والدرب.

جميع

مدخل للمدينة الإسلامية

من مجموعة هذه الدور تتشكل وحدة الجوار والتي تشترك في فراغ خاص بها وهي الرحبة وهي مركز الخطة وغالبا ما يكون ساحةً و فضاءا يهيكل فراغاتها ووظائفها وغالبا ما تكون فيه بعض المرافق الجماعية والخاصة بالخطة ومنها مصلى ومدفن ومحطة للإبل … إلخ تشكل بذلك شبه مدينة مصغرة متكاملة ومترابطة الأعضاء تستر عن الخارج بجدرانها الخارجية وتتجه نحو داخلها وتنفتح نحو السماء و من مجموع الخطط تتكون المدينة الكبرى والشاملة والتي بدورها يقوم مركزها وهو المسجد الجامع الذي ينتظم غالبا حول فناء مكشوف والذي تتمركز فيه المرافق الرئيسية للمدينة الجماعية والاجتماعية. ينفرد المسجد الجامع بهذه الخاصية والوظيفة الجامعة وهو الذي يؤمه كل أهل المدينة، الجمعة فكان بذلك واحدا وشكل رمز المدينة وقلبها النابض. تتمحور كل أطراف المدينة وفراغتها ووظائفها حول هذا المركز والمدينة بدورها تتجه نحو داخلها وتستتر بسورها. وهكذا نجد هذه العلاقة التطابقية بين الوحدة ومجموعها، أي بين الجزء والكل في شكل هرمي قوي التناسق على غرار النسق الاجتماعي الإسلامي الذي يستمد هذه الصورة المتكاملة والمترابطة والمتدرجة من القرآن الكريم: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءاً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا». (سورة النساء 1) هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها». (سورة الأعراف 189)

111

110