دولة زنجبار الحديثة
الجزء ١ · صفحة ٦١وحضرموت وعمان والحجاز، فقد أعان نخبة من العلماء الأجلاء سواء أكانوا من العناصر العربية الوافدة أو من العناصر الإفريقية المستعربة المسلمة ممن درسوا في الحجاز ومصر وحضرموت واليمن على ترسيخ العقيدة الإسلامية وتدريس اللغة العربية وأخذت رقعة الدين الإسلامي في اتساع مستمر بإقبال
الأهالي على حفظ القرآن الكريم والإلمام بالشريعة الإسلامية واللغة العربية.
وقد تجلى التأثير الثقافي العربي في عهد السلطان سعيد بن سلطان في مجالي اللغة والأدب، حيث تأثر الأدب السواحيلي تأثراً كبيراً بالأدب العربي، فكان الأدب المكتوب باللغة السواحيلية إسلامياً خالصاً حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي حينما عملت الإدارة البريطانية التي آلت إليها مقاليد الأمور في المنطقة على فرض اللغة الإنجليزية والعمل على تقليص المفردات العربية في اللغة السواحيلية وتقليص الاستعانة بالعناصر العربية في الإدارة.
ولتأكيد هذا التأثير الثقافي العربي، حاول هذا البحث إجراء دراسة تقابلية بين اللغتين العربية والسواحيلية على مستوى التركيب النحوي والمطابق وتحديد حجم المفردات العربية داخلها ومقارنتها باللغات الأخرى، كما خلصت هذه الدراسة - أيضاً - إلى أن الأدب السواحيلي استفاد من القصيدة وأساليبها من
الأدب العربي
ولم تتجاهل هذه الدراسة دور التعليم والعلماء في إثراء الحياة الثقافية والعلمية في دولة زنجبار الحديثة وملحقاتها وأوضحت الأثر العلمي الذي قامت به المساجد المنتشرة على طول الساحل في إقامة الحلقات الدراسية لتدريس علوم اللغة العربية والفقه والتفسير، كما تتبعت مراحل التعليم المختلفة وأنواع المدارس واختتمت حديثها عن الأثر الثقافي بتسليط الضوء على الجهود المقدرة التي قام بها لفيف من العلماء الأجلاء في ترسيخ دعائم الحضارة العربية الإسلامية في تلك النواحي.
أما عن العلاقات الاجتماعية في ساحل شرق إفريقيا، فمن الحقائق الثابتة
أن العرب المسلمين الوافدين حاولوا العمل على تعزيز علاقاتهم الاجتماعية مع
الوطنيين الأفارقة في إطار متين يستوعب الإرث الحضاري الإفريقي دون هدمه، وبالرغم من اعتناق عدد كبير من أهل الساحل الإفريقي الإسلام، فإن ترائهم الاجتماعي وطقوس ما قبل إسلامهم الممتزجة بالمعتقدات الإفريقية ما زالت تمثل مرتكزاً للواقع الاجتماعي حتى يومنا هذا.
لقد أبرز هذا البحث مدى تأثر سكان ساحل شرق إفريقيا اجتماعياً بالعلاقات الاجتماعية التي أقامتها دولة زنجبار الحديثة في ظل السلطان سعيد ابن سلطان، لا سيما في طريقة المسكن والملبس والمأكل، ومما لا شك فيه فإن التأثير العربي العماني في هذه المجالات الثلاثة كان واضحاً، وكذلك أوضحت الدراسة اهتمام الوطنيين الأفارقة بتقليد العرب المسلمين باحتفالاتهم الدينية ومناسباتهم الاجتماعية الهامة كالزواج وعملية الختان ولم يفتها ذكر العادات والتقاليد والاعتقادات التابعة عن مظاهر تمازج الإسلام وبعض العادات المحلية، خاصة فيما يتعلق بعادات الولادة والتنشئة الاجتماعية.
وفي هذا الصدد، يعالج هذا الفصل العلاقات الثقافية والاجتماعية في دولة زنجبار الحديثة في عهد السلطان سعيد بن سلطان على النحو التالي: أولاً - العلاقات الثقافية: الأثر الديني:
وجدت بواكير الدعوة الإسلامية طريقها منذ القرن السابع الميلادي إلى منطقة ساحل شرق إفريقيا والقرن الإفريقي وقد تغلغلت مؤثرات الحضارة العربية الإسلامية بازدياد الهجرات العربية إلى تلك المناطق، لا سيما من جنوب شبه الجزيرة العربية وتمثلها مجموعات من اليمنيين والحضارمة والعمانيين خاصة أولئك الذين تعرضوا لضغوط سياسية ومعيشية إبان حكم الدولتين الأموية
والعباسية.
ويلاحظ أن رقعة انتشار الإسلام والثقافة العربية ظلت في حالة انتشار مستمر وبمجيء القرن العاشر الميلادي وصل هذا التأثير إلى دواخل القارة الإفريقية حتى نهر الزمبيزي، حينما كسر العرب نطاق الغابات الاستوائية
119
118