دولة زنجبار الحديثة
الجزء ١ · صفحة ٨١2 لم يأت دور دولة زنجبار الحديثة في إثراء المؤثرات العربية الإسلامية ونشرها في ساحل شرق إفريقيا وما ورائه من فراغ بل إن بواكير الاتصال العربي الإفريقي قد تم منذ مطلع التاريخ الميلادي وظل يتصاعد مداه بعد ظهور الإسلام حتى وصل ذروته في ظل دولة زنجبار الحديثة ويلاحظ أن هذا الاتصال قد مر بمراحل أربع وتمثل المرحلة الأولى استفادة عرب جنوب شبه الجزيرة العربية من أهل عمان واليمن وحضرموت من حركة الرياح الموسمية منذ أقدم العصور واتصالهم تجارياً بالوطنيين الأفارقة المقيمين في ساحل شرق إفريقيا، حيث أصبحوا أكثر معرفة بأحوال هؤلاء الأفارقة قبل غيرهم من الأمم الأخرى، مما مكنهم من السيطرة على التجارة الشرقية.
أما المرحلة الثانية، فظهرت بمجيء الإسلام في القرن السابع الميلادي وقيام الدولة العربية الإسلامية، وقد أدت الثورات والفتن والصراع على السلطة بعد الخلافة الراشدة وكذلك الظروف المناخية كالقحط والجفاف إلى ازدياد الهجرات العربية إلى ساحل شرق إفريقيا واستقرارها هناك، وقد كان معظم هذه الهجرات العربية من عمان واليمن وحضرموت، إذ تمكنت هذه الهجرات من إحداث تأثيرات جوهرية في حياة الوطنيين الأفارقة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، كما أنشأ العرب المهاجرون سلطنات وإمارات ومدناً على طول الساحل الشرقي الإفريقي، بيد أن الحكام العرب في هذا الساحل لم يعملوا - بصورة مثمرة - على نشر الإسلام والعروبة في المنطقة بل حصروا جل وقتهم في المنافسات التجارية والصراعات على السلطة، الأمر الذي مهد الطريق للبرتغاليين لبسط نفوذهم على هذا الساحل القرنين من الزمان. وتجيء المرحلة الثالثة بظهور البرتغاليين في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي وتطلعهم إلى الاستيلاء على الممتلكات العربية في ساحل شرق إفريقيا لضمان أمنهم الاستراتيجي في المحيط الهندي توطئة
لاحتكارهم التجارة الشرقية وتهديدهم للحرمين الشريفين مواصلة لحربهم الصليبية، وتعد المرحلة البرتغالية مرحلة انحسار للحضارة العربية الإسلامية في ساحل شرق إفريقيا، وذلك لأنهم عملوا على نشر المسيحية وإثارة الفتن بين زعماء الساحل وجلّهم من العرب المسلمين. وبالنسبة للمرحلة الرابعة فتتمثل في السيطرة العمانية على ساحل شرق إفريقيا سواء في ظل حكم اليعاربة أو البوسعيد. فبعد أن تمكن اليعاربة من طرد البرتغاليين من مسقط بقيادة الإمام سلطان بن سيف في عام 1658 م، استطاع خليفته الإمام سيف بن سلطان من انتزاع مدينة منبسة في 1696/ 12/14 م من أيدي البرتغاليين وهكذا خلص هذا الساحل الإفريقي لنفوذ العمانيين. هذا، فقد كان قيام دولة البوسعيد وتوسعها على ساحل شرق إفريقيا ازدهاراً للاتصال العربي الإفريقي.
ففي عام 1471 م، انتقلت الإمامة الإباضية من أسرة اليعاربة إلى أسرة البوسعيد، نتيجة للصراع الداخلي في عمان بين الأسرتين العمانيتين وقد كان السلطان سعيد بن سلطان (1806 - 1856 م) أشهر حكام هذه الأسرة الأخيرة على الإطلاق حيث سعى إلى الارتقاء بدولة زنجبار
الحديثة في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية
3 - وإنني أرى أن قرار السلطان سعيد بن سلطان نقل عاصمة حكمه من مسقط إلى جزيرة زنجبار وإعلان قيام دولة زنجبار الحديثة في عام 1832 م قرار حكيم للاعتبارات الموضوعية التالية:
أ - حاول السلطان سعيد بن سلطان تجنب الدخول في صراعات وصدامات مع السعوديين والقواسم وكذلك مع أبناء عمومته خشية أن تستنزف إمكانيات البلاد البشرية والمادية، لا سيما
وأن دولته قد خرجت منهكة بعد انتصارها على البعارية.
159
158