الفتى: قصة أدبية إصلاحية حمود بن سليمان بن قاسم؛ رمضان

الفتى

الجزء ١ · صفحة ١١

21

*20

فكان كثيرا ما يترك المكتب - والمؤدب والحصير والعصا بجانب ويولي وجهه شطر حدائق ابيه و جناته لينشرح خاطره وينير فكره و يروض جسمه عوض أن يسجن نفسه في قفص الموت وهيكل العذاب.

مكث في بلاده سنة كاملة على هذا المنوال. نبوغ كامن لم توجد الايدي الماهرة لاستخراجه وحياة فتية لم تكن البئة صالحة لنموها وتوسيع دائرتها

سفره الثاني)

عاد الى دار غربته فجرى لامه ما جرى لها في المرة الأولى الا انها تعودت الالم فلم يعد يؤثر فيها كثيرا فتدرعت بالصبر والرجوع الى الله في امر ولدها (اذ ادركت ان للحياة احكاما قاسية فلابد للخضوع لها طوعا، أو كرها. فمن اراد ان يصادمها بقوته صادمته وافقدته لذة العيش حتى يرجع ويستسلم وهو صاغر ذليل)

هنا تختصر حياة محمد اختصارا ويخرج جزء منها لا يستهان به من بين يديه. في غير رقي ولا زيادة. واذا تذكر تلك الفترة التي سالت في محيط لا شيء تألم كثيرا لانه في ذلك الحين لم يزل يقطع القسم الذهبي من حياته الذي يجب ان يكون مملوء بالاعمال الجليلة التي يعود نفعها عليه فيما بعد حينما يصل الى القسيم الفضي ثم الرصاصي من عمره

اربعة اعوام كاملة قضاها في حفظ القرآن فلم ينل في النهاية الاسو را مرسومة في دماغه لا يفقه منها شيئا على انه لم يكن يحفظها كلها لما تقدم من اضطهاد المعلمين لتلاميذهم عند تلقين كلام الله لهم. فكان يحضر بجسمه ولكن قلبه غائب لانه لا يحب ان يسيطر عليه احد الا الله لما جبل عليه من حرية وعظمة نفس فلما اجبر وغلب على امره كانت النتيجة غير حسنة. لان القوة مهما كانت لا تجلب اليها القلوب الكبيرة

ولا تكسر حدتها بل ما تزيدها الامضاء على التمرد والعصيان وان كانت تستولى على الجسم الفاني في بعض الاحيان. ان محمدا كان يدرك فائدة القرآن ولزومه للمسلم ان اراد ان يكون مسلما حقا حاملا لدستور دينه بين جنبيه. ولكن كره طريقة تدريسه كما يكره المرض والهوان. يدخل الصباح حجرة ضيقة مع نحو اربعين تلميذا بينما هي لا تسع أكثر من خمسة عشر تلميذا في المدارس النظامية. يظل مسجونا فيها امام مؤدبه من الساعة السابعة الى الزوال لا يخرج منها البتة الا لضرورة وربما في بعض الاحيان عدت الضرورة اكذوبة يريد ان يروح بها عن نفسه فيحرم من الخروج وهو في منتهى «الحصار». ثم يرجع في الساعة الثانية بعد الزوال فيظل هنالك جامدا على الحصير الى الساعة السادسة مساء وفي الليل قبل نومه يامره ابوه ان يقرأ - بصوت مرتفع - اربعة أو خمسة احزاب ثم يضع عليه رقباء كالزبانية يتتبعون مواقع اقدامه خوف ان يترك في زاوية الاهمال سورة من السور لما يبدو على وجهه من كره ما يفعل. ولم يدخله ابوه المدارس الفرنسية ليتمم معلوماته الاولى الا ابتعادا من التذبذب والخذلان الذي استولى على بعض الشبان من المسلمين حتى صاروا اعداء دينهم وملتهم ووطنهم حينما خاضوا ذلك العباب وهم فارغي الوطاب من الثقافة الاسلامية والاخلاق

المحمدية - على منبعها افضل الصلاة وازكى التحيات ..

فقد اصاب فيما رأى وله الف حق فيما استنتج لانه مسلم صميم من الطراز العالي اراد ان يشب ابنه ووارث اسمه مثله لا يتزحزح قيد أنملة عن الصراط المستقيم صراط الاسلام.

ان ابا محمد لا يكره العلم مهما كانت صبغته يحب الرقي يحب الاخذ باسباب الحياة ليس بجامد ولا يمتعصب ولكنه يبغض العلم الذي يكون سببا في سلب الايمان