الفتى: قصة أدبية إصلاحية حمود بن سليمان بن قاسم؛ رمضان

الفتى

الجزء ١ · صفحة ١٤

**

العمل عند دخوله معمعة الحياة. كما ان الخالي من القواعد المفروضة اللازمة لا يغوص في جلائل الاعمال ولا ينظر الا الى السطحيات من الأمور

لم يكن محمد متنطعاً في افكاره ولا معجبا بارائه ولا شاذا في اخلاقه ولا حسودا لاخوانه ولهذا تعددت اصدقاؤه وكثرت احباؤه. ولكنه في بعض الاحيان يغلي مرجله فيغضب ثم لا يلبث أن يثوب اليه رشده فيرجع و يخفض جناحه لان قلبه خال من داء الحقد والبغض

وكان يرى ان المشاريع لا تقام الا بسعي الجماعات واما الافراد فمجهوداتهم محدودة لا تثمر في الغالب الا بعد العناء الشديد والزمن الطويل. هنا فكر هو واصدقاؤه في تأسيس جمعية ادبية وطنية تعمل لسعادة امتهم فكان الوفاق رائدهم فاتكلوا على الله ونظموها على طريقة الجمعيات الحديثة وكانوا يلقون فيها خطبا ومحاضرات كلها تحوم حول الوطنية والدين ويتحاورون مشافهة في مسائل تهم شعبهم المنكوب فصارت جلساتهم دماغ الامة المفكر وقلبها النابض. ولم يقتنعوا بما ذكر فاسسوا مكتبة للمطالعة العامة ثم جريدة تكتب باليد يحررها اعضاء الجمعية العاملين ويقدمونها لاخوانهم افراد البعثة العلمية في تلك الديار لتنير لهم السبيل وتصلح حالهم وترشدهم الى واجباتهم الوطنية ولم تلبث ان ارتقت فانقلبت مجله نصف شعرية مملوءة بالفوائد والنفائس. اما الجمعية فقد تقدمت في شهور قلائل تقدما شاسعا يعد غريبا بالنسبة لسير الجمعيات. وكان محمد يلعب دورا خطيراً في رقيها والسير بها في طريق الكمال الممكن حتى نعق غراب البين بينه وبين اصدقائه الذين يهتدي بهم في الليالي القائمة ويرجع اليهم في المدلهمات قفل راجعا الى وطنه العزيز وهو يفور احساسا وشعو را.

OO

العودة الثالثة الى وطنه

وصل ميزاب فاستقبل بكل حفاوة واكرام من جميع الطبقات التي تتمنى ان يبعث الله فيهم من يفتح في وجههم باب الحياة والسعادة. فكان كلما نزل بين ظهرانيهم من ينتمي الى العلم ظنوه هو المنقذ لهم - بارادة الله - من شر ما هم عليه من الجهل الاسود والتفرق المبيد. صفة جميلة اتصف بها اهل ذلك الوطن الشهيد وهي الشعور بحرج الموقف والسعي في الخروج منه. ولكنهم في كثير من الاحيان لا يدومون على خطتهم فيملون ويتقهقرون قبل الوصول الى غايتهم فيبذرون بذلك الياس والقنوط في قلب من يسير بهم فتموت المشاريع في مهدها وهم المسيبون. وفي بعض الاحيان يتبعون بعض الدجاجلة المفسدين لغفلتهم وبلههم فيسوقونهم الى ما لا تحمد عقباه فيضيع اعمارهم و يفسد اعمالهم وهم مع ذلك لا يعذرون وامام الله يحاسبون لم ينظر محمد هاته المرة الى جمال بلاده وصفاء هوائها وعذوبة مائها ولا الى اجسام اهلها وتغيير بنيانها بل نظر الى عوائد واخلاق قومه فتغيرت امامه الاحوال وشعر بالوحشة تتسرب الى قلبه من طريق النفوس المجاورة له. الزواج

مضت عليه مدة ليست بالطويلة وهو لا يغنيه امر احد ولا يدخل مدخلا. عموميا ما. وفي اثناء تلك الفترة زفت اليه شريكة حياته وانيسة خلواته فكانت - بعد ابيه وامه - النجمة المتلالاة في افقه الذي رأى فيه سحابة سوداء تتقدم اليه شيئا فشيئاً تريد ان تكفره حتى لا يشعر بسعادة الوجود وهناء العيش

ان قلبه لم يعد يخفق وحده بل بات بجانبه قلبا آخر يقسم معه افراح الحياة و اتراحها فاحبه حبا صادقا ولكن لم ينسه ذلك الحب غايته المقدسة التي سعى اليها طلب المجد والسعادة لوطنه الشهيد

الا وهي