الفتى
الجزء ١ · صفحة ١٥ان محمدا لم يبلغ بعد ثماني عشرة سنة من عمره والعادة في ذلك الوطن ان الجل من ابنائه يقترنون قبل سن العشرين. وفي هاته العادة منفعة ومضرة اما الأولى فان الزواج يحفظ الشاب من التهتك والانقياد للنفس الإمارة بالسوء والترامي في حضن العهر و الفساد. ثم هو يتعلم الاتكال على النفس منذ الحداثه لان والديه بعد ما يرمونه في ذلك البحر الزاخر لا ينظرون اليه بالعين التي كانوا ينظرون بها اليه من قبل بل يتركونه وشأنه - الا القليل منهم - يسبح ويغوص اما ان يحرز على الدرر والجواهر او يمسي لقمة في بطون الحيتان. وللبئة ومناخ الاقليم ايضا حكم قاهر لا يغلب اذ ليس البلاد الحارة في تأثيرها على المزاج البشري كالمعتدلة او الباردة والفرق واضح لا يحتاج الى دليل. اما المضرة فلان الشاب قبل العشرين مهما كان حاله لم يقرر مصيره بعد ولم يتجه الى ناحية من الحياة ثابتة لا تزحزح يقضي فيها ايامه الآتية فهو لم يزل كالريشة الطائرة في مهب الرياح لا تستقر على حال فمن الحكمة الا توضع في عنقه تلك السلسلة المحكمة الثقيلة وهو لا يشعر باستقرار وجوده وغاية مصيره. وعلى كل حال فلا لوم اذ كل شيء قد سار في طريقه السوي فان اولئك القوم لا يهمهم الا امر دينهم فهم يضحون - كل شيء في سبيله فلا يمحصون ولا يقابلون ولا يقارنون الا بمكرسكوب الدين فالدين له الدرجة الأولى في تسيير سفينة حياتهم الادبية والمحادية وما ضل من جعل الدين دليله ..
ان الزواج في ذاته امر ضروري للبشر كالماء والهواء والنور و به تتكون الجماعات والامم ويزدهر العمران فلا يغنى لامة عنه ما دامت تريد ان تحبي عزيزة الجانب قوية. السلطان يرهب سطوتها القريب والبعيد.
ان الشرائع السماويه والقوانين الوضعية كلها متفقة على وجوب الزواج وتخريم الزناء ومن المعلوم ان الانسان لا يتكون الا من الانسان اذا فلا وجود ولا عمران
الا بالاقتران الشرعى. اما قرن العشرين قرن المصائب على الانسانية قرن التوحش والفساد فقد انكرهاته الحقيقة وتعامى عن هذا السبيل ولكن ما كل نكران يفيد ويجدي فسوف ياتي الله بامر من عنده فتنقلب القضايا المعوجة و يسير كل شيء في صراطه المستقيم اما انتم ايها المتبجحون بعدم ضرورية الزواج للبشر وتحبيذكم الزناء فقد فهمنا نواياكم الخبيثة نحو الانسانية المعذبة وفهمنا كل ما يدور ويختلج في صدوركم من شهوات واغراض كفوا فقد اطلعنا على امركم فلم يبق لنا الا ان نقول لكم كونوا قردة وخنازيركونوا كلابا عاوية والتقطوا فرائسكم النجسة من بين مزابل المواخير واسلكوا طريقا معوجا حتى يملككم الله. فانكم لا تستحقون غير لعنة الله والملائكة والناس اجمعين. اما نحن انصار الزواج والفضيلة فقد راينا فيما فعلنا: سعادة وهناء لا نجدها ابدا في غير مسلكنا الشريف والحمد الله والشكر الله. الى العمل الى الاصلاح
نظر محمد الى المجتمع بعد تلك الفترة - العسلية!! وسير حركاته وسكناته من نافذة البحث والتنقيب فوجد حاله سيئا جدا ومنذرا بالخطر، وسائرا في طريق غير مشروع فهاله الامر وعلم ان البلاد جادة الى الفناء والزوال وان لا مناص من الوقوع
فيما يكرهه ويخشاه
علم كل ذلك وادركه بعين بصيرته فلم يعد يشك فيما راى واستنتج ولكن ما العمل؟ ايتقدم الى اصلاح ذلك المجتمع الهائج وهو الضعيف في كل شيء ء الا قلبه؟ ام يتأخر ويكتفي بالتأسف والبكاء وهو يرى ذلك نذالة وخيانة وسقوطا في النفس؟ ما العمل؟ اللهم هي له من امره رشدا. في هاته النكتة الضيقة وهاته الزاوية الحادة تصادم الواجب والهوى فتشاجرا و تصارعا وكان صدره ميدانا لخما فنهكت قوته وسلبت راحته و انضب هناؤه فبات فريسة للاسقام وطعمة للالام. التفت يمينا