الفتى
الجزء ١ · صفحة ٦*11*
*10*
وترسل من الدموع مدرارا حتى تقع على وجه ولدها البائس فتصحب نحيبها الاليم بكلمات متهدجة متقطعة: «لا اقدر … لا اتحمل .... فراقك … يا قرة عيني … وثمرة فؤادي … الموت اهون علي من ذلك … !!»
يرى تلك المأساة تمثل امامه وهو جامد صامت لا يفهم منها الا ما كان باديا على وجهها من نحولة يخالطها شيء من الاصفرار الذي لم يعهده قبل في وجه امه الباسم ولما شعر بدمعة تتر جرج في مقلته شفقة على امه خجل من ابدائها خوفا من اظهار الضعف لها (فالهمة وهي رأس ماله كانت ترفعه وهو صغير عن مواطن الضعف حتى مع أقرب الناس اليه واعلمهم بخفاياه. وتلك شيمة النفوس الكبيرة فان العظمة ممزوجة بها منذ الحداثة)
و امه لم تزل تمعن النظر فيه وتتنهد تنهدات متوالية حارة يذوب لها قلب الجماد. ولكنه لما رأى الموقف قد انقلب الى مأتم غريب وبكاء ونحيب قام مسرعا الى فرسه الخشبي وامتطى صهوته وطفق يدور في الدار و ينادي: «قولي يا اماه من مسك بسوء لانتقم منه انتقاما مرا واعذبه عذابا شديدا. انا احميك من شر اولئك الذين يكدرون حياة الناس ويفسدون عليهم عيشهم. ان هذا لظلم عظيم. قولي فالمسؤولية راجعة علي وعلى هذا الفرس ان لم تربي منا العجائب .. وامه لا تجيبه ولا
تلتفت اليه بل ما زادها ذلك الاهما على همها الكامن و استرسالا في بكائها الاليم وبينما هو في تلك الحالة ضوضاء قائمة الى عنان السماء وكر وفر وزمزمة وهدير اذ دخل عليه ابوه فما انتبه الا. و هو محمول بين ذراعيه فقال له: «ما بالك يا محمد؟ وما هاته الجعجعة؟ - اتركني يا ابني فاني اقوم بواجب هام - يا لك من بطل مهذار فما هو هذا الواجب؟ - واجب يهمني و يهمك .... اتركني فان الفرصة ربما فاتتني - ما ذا تقول؟ - ان فرسي على وشك الفرار لا باس دعه يفر. قلت لك اتركني فان شئت
استفسار امري استأذنت امي في ذلك - افعل ما بدا لك. وهنا يطلقه ابوه فيرتمي على صدر امه قائلا: أ أخبر ابي انك كنت تبكين؟ - خبره فاني بكيت عليك لانك ولد تحب اللعب كثيرا ولا تسمع نصائح امك. فيجمد في مكانه حياء وخجلا ثم بعد ذلك يلتفت ابوه الى امه ويقول لها: ان اصدقائي و رفقائي عن لهم ان نسافر قبل الجمعة وهل جمعت اثاثى مع ثياب الطفل في الحقيبة الكبيرة كما اشرت؟ فتجيبه بنعم تغمره العبرات حتى لا يكاد يسمع. وحينئذ يفهم محمد كل شيء ويرتمي على ابيه وهو يقول: يا ابتاه اني احبك اكثر من امي لانك ستحملني معك الى بلاد نائية حيث المسال والعلم … وافرحناه … !! - ومن قال لك يا «جن» انك ستسافر معي - اني فهمت ذلك من خلال كلامكما - نحن لم نقل شيئا - اذا فانا اعرف شيئا تجعلانه انتما - حسن يا بني.
D
مضى ذلك اليوم الذي كان اسود على امه واتى اليوم الذي بعده امتلات الدار باقارب محمد فمن جدته إلى جيرانه (عادة في تلك البلدة ان الاقارب من الجنس. اللطيف يقصدن بيت المسافر ويقضين يوما كاملا مع اهله لاعانتها على قضاء حوائج زوجها وتسليتها من هم ما تجد).
كان محمد في ذلك اليوم شعلة تلتهب لا يستقر على حال فآونه يقبل جدته ثم عمته واخرى يسأل الباقيات عما اتى بهن فهو لا يريد ان يرى النساء لانهن لا يجتمعن الا على البكاء. اما امه فانه لا يقترب اليها لانه رآها خاضت في بحر من الهم لا ساحل له فتركها وشانها (هكذا بدأ قلبه يتحجر كانه كان يدرب نفسه على 10 سيلاقي من كوارث الدهر وصروفه (ولكن امه ضاق صدرها فاحتالت له واخذته ووضعته في حجرها لآخر مرة فضمته الى صدرها وبكت عليه حتى كاد يغشى عليها وكانت في اثناء ذلك تنشد ابياتا تفتت القلوب: