الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ١٠

تحتلها إسرائيل حتى عام 1967 ليسا إلا نموذجين مماثلين السقوط دولة زنجبار المسلمة.

وأما النكبة الثالثة التي عمقت سابقتيها، وعوقت إمكانية التخلص من آثارهما فهي تجاوز أنظمة ما بعد الاستقلال للمدى الذي وصلت إليه قوى الاستعمار التقليدي ذاتها في مصادرة الحرية الدينية، وفي التضييق على حق كل أصحاب دين أو نحلة دينية في تنظيم شؤونهم الخاصة وفق مرئياتهم ومرجعيتهم الدينية والمبالغة في انتهاك كل الحرمات لصالح ما يسمى: الأمن القومي وأمن الدولة، والتمادي في الاعتماد على أساليب الإدارة الغربية، وعدم التنقيب في تراثنا، ولا في واقعنا عن نظم نابعة لا تابعة والتحرك باتجاه تعميق القابلية لاستدامة تعثرنا والدخول في حالة الخواء الأخلاقي الراهنة التي ترسم هذه الدراسة الجامعة معالمها، ومعالم المخرج الإسلامي منها.

ولعلنا نستحضر هنا ما قاله حكيم الأمة المستشار طارق البشري من أن أنظمة الحكم التي قامت في ديارنا الإسلامية بعد عصر الاستعمار التقليدي، قضت على الأنساق المجتمعية، وحولت الأفراد في مواجهة الدولة إلى ما يشبه حبات قمح في جوال يستطيع أضعف عصفور أن ينال من كل حبة منها على حدة. ونضيف أنه في ظل هوس ما يسمى الأمن القومي الذي هو بضاعة أمريكية، الأصل استبيحت كل الحرمات، وانفتح الباب واسعا لمعايرة مقاصد الشريعة الخمسة المرعية في كل الأمم المتعلقة بحفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، بمعايير غربية، وقعنا في ظلها في تيه لا نظير له صرنا معه كمن يبني بيته خارج أرضه، أو ينشد الماء في سراب بقيعة.

وتطرح هذه الدراسة أسئلة بالغة الأهمية، وتقدم إضاءات على صعيد وصفها وتفسيرها، ورصد كشف حسابها، واستشراف مستقبل الأمة من خلالها، جديرة بأن تقرأ أكثر من مرة، وبأن نرجع البصر والبصيرة فيها كرتين، وأن تحولها الجماعة العلمية المسلمة في كل فروع المعرفة إلى دليل لعملها البحثي. وسأكتفي هنا بمس خفيف لمسألتين: الأسئلة الكبرى المطروحة في هذه الدراسة، والمفاصل الكبرى للخيط الفكري الناظم لها.

أما عن السؤال الأم الذي تنبثق منه الدراسة فهو ما السر في استهداف زنجبار بالذات بالإضعاف قبل الاستقلال، وبالإزاحة من الخريطة السياسية فور الاستقلال والإجابة بالمختصر المفيد: لأنها كانت رقما صعبا في معادلة الإسلام في إفريقيا، وفى الترابط بين العروبة والسياق الأفروأسيوي المنبثق من تلك

المعادلة.

وسيرى القارئ كيف مثلت زنجبار بؤرة للترابط بين أسيا وإفريقيا، وكيف امتزجت فيها من أقدم العصور، دماء من كل أرجاء العالم وكيف استوت فيها الوسطية والتسامح الإسلاميين على سوقهما، جنبا إلى جنب مع دور قوى الداخل والخارج المضادة، في نقض هذا المركب الحضاري، وفي تفكيك عراه فزنجبار احتوت على خميرة إسلامية فاعلة عبر تاريخها، وقيض الله لها، في لحظة ما قبل الكارثة نخبة مثقفة صاحبة نية وبصيرة فرضت، استقلالها وانفتحت على مصر خاصة، وعلى العالم بوجه عام. وعنيت بنشر المعرفة فى دول الجوار قدر عنايتها بنشر المعرفة داخل حدودها ونسجت منوال نظرتها إلى بلادها، وإلى الخارج، لا على أنها نخبة ببلد يمثل نقطة بالغة

17

16