الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٩يكن العبث باللغة السواحيلية وفض عرى الصلة بينها وبين الإبجدية العربية، وتجريدها من أصولها العربية والإسلامية، هو أول سابقة من نوعها للعبث بلغات رئيسة بالعالم الإسلامي. فما حدث للغة التركية مواكبا لإلغاء مؤسسة رأس الخلافة الإسلامية على يد كمال أتاتورك هو فعل مماثل حذو القذة بالقذة.
أما النكبة الثانية التى كانت الأولى إحدى وسائل تصنيعها، فهي ضياع زنجبار بعد التأسيس لجعلها نموذجا يحتذى لدولة ذات نظام إسلامي يقوم على نبذ كل النواظم التفريقية المفتعلة بين البشر، ويعبر عن توجه إسلامي لتجاوز العدل في التعامل مع الغير إلى رحاب الإحسان، وإعطاء الآخر ما هو فوق حقه، والقبول منه ببعض واجبه.
فهذا الحدث الجلل أتى بعد سلب الأندلس ومن بعدها فلسطين فيما لو اكتفينا بالمحطات الكبرى وغضضنا الطرف عن ابتلاع الاتحاد السوفيتي السابق لأسيا الوسطى، على سبيل المثال.
والعجيب أيضا في تلك الحالات الثلاثة هو قلب الطغاة الصورة الإدراكية، وتصوير ما حدث على أنه تحول صوب ما ينبغي أن يكون من منظور القوى المستهدفة للمكون الإسلامي والمشوهة له مع تجميل صورة، الجلاد وتقبيح صورة الضحية، ومشاركة فريق من بني جلدتنا في ذلك الإفك المفترى عن عمد بقصور
في الرؤية وانعدام للبصيرة تارة، وبجهالة أو جهل تارة أخرى.
ولباب هذه النكبة هو حركة إفساد في الأرض بعد إصلاحها، لا تزال حلقاتها الدموية والغادرة تتواصل منذ منتصف ستينيات القرن العشرين. بيت لها، بليل، وبلغت أوجها على يد قادة الانقلاب
الدموي الذي أزال زنجبار من خريطة الدول القومية المعترف بها والمتمتعة بعضوية منظمة الأمم المتحدة، بعد أقل من شهر واحد من إعلان استقلالها، مع استكانة كل الدول الإسلامية لهذا التحول وقبولها، به والذي هو دليل على غلبة الانتهازية السياسية النفعية على الاعتبارات الأخلاقية، وعلى غياب الرؤية الاستراتيجية والبصيرة في أوساط أنظمة الحكم في عالمنا
الإسلامي في عصر ما بعد الاستعمار التقليدي
وهذا الحدث الذي أزهقت به ألوف الأرواح المسلمة من الشيوخ والنساء والأطفال العزل وزج به، بمئات، بل ألوف الشرفاء الأبرياء، في غياهب السجون من بينهم مؤلف الدراسة التي بين أيدينا، وصودرت به ممتلكات وأوقاف خيرية، وتحولت به دولة إسلامية واعدة إلى كيان تعيش معظم فعالياته الفكرية بين جدران السجن، أو القهر تحت كابوس الاعتقال بلا محاكمة، أو العيش في المهجر، لم يكن مرة أخرى هو الحدث الأول من نوعه. فالموقف ممن أسمته: أوربا رجلها المريض والمصادرة الأوربية على طموحات محمد علي، وتتويج ذلك في منتصف عشرينيات القرن العشرين بقضاء أتاتورك على الخلافة التركية، وما أحاط بصنيعه بالخلافة من غموض وقلب للحقائق، فى الأوساط الإسلامية، بلغ حد الظن أنه مصلح لها، وما سمي: الثورة القومية العربية ضد الحكم التركى وما تمخض هذا كله عنه من انفراط عقد العالم الإسلامي، وصناعة مبضع سايكس بيكو، وتمزيق أمتنا، وغرس الكيان الصهيوني في المفصل الأفروأسيوي نسيج الإسلامي، والموقف تجاه ما كان قد تبقى من أراض فلسطينية لم
15
14