الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١١الضآلة في محيط، بل على أنه قلب كيان حضاري جامع ضربت جذوره فى عمق التاريخ وامتدت فروعه من قلب إفريقيا شرقا إلى قلب الهند غربا. وحملت تلك الصفوة في أحشائها حلما واعدا فيما لو أتيحت لها الفرصة، بإقامة نموذج حضاري قدوة يتخطى أثره زنجبار إلى البر الإفريقي وإلى قلب أسيا. وتناغم خطابها مع أفعالها في الداخل والخارج. ووجد خصوم التمكين لتلك المعادلة أن إجهاض تلك التجربة فى مهدها وبالقوة قضية وجود بالنسبة
لهم.
ومن أحشاء هذا السؤال الرئيس، ومن ثنايا الإجابات المقدمة له، نحاول الإمساك معا، بالخيط الناظم للطرح المعرفي الذي يسوقه المؤلف لذاكرة، أمتنا على نحو نكتفي معه، في هذا التصدير برصد الأسئلة المتفرعة من هذا السؤال الرئيس، ثم نتبعها بإشارة عابرة لمحطاته الكبرى الأربع عشرة، تاركين التفصيل بكل دقته ودقائقه لقراءة متأنية للكتاب ذاته.
والأسئلة المتفرعة مباشرة من السؤال الرئيس كثيرة، من أهمها: هل إصلاح حال الأمة مرهون فقط بوجود نخبة إسلامية مثقفة متمثلة لأخلاقيات وقيم صفوة صدر الإسلام؟ أم أن سنن التغيير تقتضي عملية تنشئة حضارية تعم الأمة، توفر للصفوة المدد والمعايير الضابطة في آن واحد، وتحصنها من الغرور الكاذب ومن دواعي القنوط ومن البلادة، ومن المغاضبة، ومن الإفراط ومن التفريط؟ وهل محاكاة الصفوة الأولى يمكن أن تكون فاعلة إن هي وقفت عند تمثل القيم اللازمانية واللامكانية، دون قراءة واعية لخبرة الجمع بين فقه النصوص وفقه الواقع، في إنزالها على واقع زماني ومكاني بعينه تعيشه أمتنا الآن؟ وكيف نفرق في
المحصلة الأخيرة بين خسارة جولة أو معركة وبين خسارة قضية إزهاق الحق للباطل؟ وما السبيل لأن تستعيد أمتنا عافيتها بتمثل ركن الإسلام الأول بالتخلص من كل ما ينبغي تخليته، والتحلي بما ينبغي أن تتحلى به من التوحيد الخالص؟
وسيجد القارئ نفسه في مواجهة هذه الأسئلة عبر عدسة الحالة الزنجبارية، أمام بلد كثر علماؤه، وتفانى بنوه في طلب العلم وفي الجمع بين العلم والعمل، وتشكلت لديه نخبة واعية ذات بصيرة. ومع ذلك سيقف حائرا مثلي أمام تهاوي هذا كله وبسرعة مذهلة أمام مكر قلة منظمة معادية لا خلاق لها، وعلى نحو قلب الموازين في غمضة عين، وجرد الحق مما بيده من أسلحة باطراد وثبات مذهلين وسيجد القارئ نفسه مذهولا أمام القبول، أو قل السكوت والتعاطي السلبي تجاه من استهدفوا تلك التجربة، على نحو أتاح الفرصة واسعة أمامهم لتبديل حال زنجبار وقلبها رأسا
على عقب.
إلا أن سؤال العاقبة، أو خلاصة كشف الحساب المهم في نظري هو من الذي امتطى الجواد الخاسر؟ الصفوة التى كان المؤلف في موقع القلب منها التي كان مصيرها في الظاهر هو الإبعاد من سدة الحكم إلى غياهب السجون والشتات خارج زنجبار والخوف والقتل البطئ على حد تعبير المؤلف داخل تنزانيا؟ أم من يسمون قادة الثورة القابعون بمراكز السلطة منذ عام 1964 حتى الآن، وإن اختلفت أشخاصهم؟. على صعيد هذا السؤال انتزع المؤلف اعتراف واحد من رموز الثورة، بأنهم كسبوا جولة وخسروا أنفسهم وأهليهم، وكانوا وبالا على أمتهم. فلقد التهمت نيران ذلك الانقلاب الدموي الغادر،
19
18