الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١٠١I f
صف إلي صف أعلي يتقرر بعامل واحد هو السن وأحسست بشئ من المرارة من الانتظام في فصلي مع زملاء جدد يصغرونني بعام إلا أن أستاذي المعلم محمد أبو بكر جاء ذات يوم بصحبة ناظر المدرسة، وأوصى بنقلي إلي الصف الثاني، أو ما كان يسمى حينئذ الكتاب الأول. وشعرت بالراحة وسط زملائي القدامى
والحق أنني لم يكن لدي، حتى وصولي للصف الرابع أدنى فكرة عن الامتحانات والعوامل التي بها يتقرر النقل من صف إلي آخر رأيت إسمي في قوائم الناجحين. وقال لي زملائي أنني حصلت علي الترتيب الثالث أو نحو ذلك. وحينما دخلت الحصة التالية، سألني المدرس عن ترتيبى بين الناجحين. قلت: لا أعرف رد زملائي الثالث. عندها فقط استطعت أن أفهم معنى مراتب النجاح. ومع ذلك، لم أجتهد للحصول علي المركز الأول إلا في الصف الخامس. ومن ذلك الحين حتى نهاية تعليمي تبوأت المركز الأول علي الفصل، وفي كل المواد. ومن حينها بدأت أتعلم اللغة الإنجليزية. وأول من علمها لي هو الأستاذ يحيـ علوي وهو واحد من أفضل تلاميذ هولنجزويرث
وكان مقرر الإنجليزي، في ذالك الوقت في أوائل الثلاثينيات مؤسس علي سلسلة كتاب (نيو ميشود ريدرز) لمايكل وست وهي سلسلة تم تكييفها جيدا لتعليم الإنجليزية للدارسين الأجانب، وحظيت بالقبول في زنجبار ومصر والهند وتدعمت تلك السلسلة بكل معنى الكلمة، بمنظومة كتب وموضوعات تعبير وقواميس. وتضمنت تلك المنظومة روائع أدبية من الطراز الأول، تم تكييفها التتلائم مع المعايير المطلوبة. ومن ثم تعرفنا من سن مبكر علي
جواهر: مثل آيفنهو لوالتر اسكوت، وكاهن ويكفيلد لأوليفر جولد سميث، وبلد الكفيف لـ: هـ. ج. ويلز، وأشعار ميلتون
وورد سويرث.
وفي مدرستنا كان التعليم الأولي يستمر أربعة أعوام، نتعلم فيها اللغة العربية، ولغة التدريس هى، السواحيلية، ثم أربع سنوات تعليم ابتدائي ندرس فيها اللغة الإنجليزية كلغة ثانية أيضا. ورغم تحقيقنا تقدما مناسبا في اللغة الإنجليزية، فإن تحصيلنا للعربية لم يكن على مايرام رغم ألمعية من يدرسونها لنا.
وسر ذلك هو أنه لم تكن هناك سلسلة منهجية منظومة لتعليم العربية ولا استمرارية منهجية لتلك العملية، بعكس الحال بالنسبة للغة الإنجليزية. فكان التقدم والمنهج يعتمدان كليا علي اجتهاد مدرسين أفراد. وفي البداية درس لنا مدرسان متمكنان وملتزمان: هما الشيخ برهان محمد المكلا وهو كاتب وشاعر ضليع، والشيخ عبد الرحمن محمد الكندي، وهو أيضا شاعر من الطراز الأول. إلا انهما وغيرهما من أمثال الشيخ عبد الله الحضرمي، والشيخ عبد الله صالح الفارسي، والشيخ أحمد زهران الريامي لم يستطيعوا إنجاز تقدم يذكر لعدم وجود منهج معين أو توصيف
لموضوعات المقرر، أو سلسلة كتب مدرسية محددة.
وفي السنوات الأولي من تعليمي أتيحت لي فرصة الدراسة لفترة وجيزة علي يد الشيخ المصري عبد الباري العجيزي، في العام السابق علي وصوله سن التقاعد، وإليه يرجع الفضل في إدخال علم تجويد القرآن وفن الخط العربي إلى زنجبار، واستفاد منه بالقطع من حالفهم الحظ ودرسوا علي يديه في شبابه. أما نحن فتتلمذنا عليه فى نهاية مشواره بعد أن وهن نشاطه، وضمرت
199
198