الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ١٠٣

التلميذ" مطروحا حينها ولم أتجاوز أبدا حد الأخطاء الثلاثة طيلة تتلمذي علي يدي معلمي هلال.

والحق أنني لم أعاقب في المدرسة لأي سبب باستثناء التأخير. فكان من عادتي في البداية أن أحضر متأخرا، واستطعت أن أتخلص من تلك العادة مع تقدم سني. وأحيانا كان بابا عوضي العجوز الطيب والعطوف المكلف بدق جرس المدرسة يؤخر دقه بضع ثوان وينادي علي بصوت عال لأسرع الخطى قائلا: اجري ياعلي "، فأهرول لأدخل المدرسة مع دقات الجرس.

وكنت أقتسم معه مصروفي المدرسي البالغ بيستين (ما يعادل خمس سنتات الذي اعتدت الحصول عليه من أمي كل صباح وأشتري بالنصف المتبقي برتقالة وبعض الفول السوداني. وكانت تلك العملة نحاسية سكها السلطان برغش بن سعيد من مدفع استولي عليه من البرتغاليين. وعلي أحد وجهي تلك العملة نقش ميزان بكفتين يرمز للعدالة، وعلي وجهها الثاني كتبت بالعربية إما كلمة: زنجبار، أو عبارة: برغش بن سعيد حفظه الله. وكانت تلك التي علي وجهها اسم زنجبار تسمى بيس بالمذكر، وتلك التي تحمل العبارة الأخرى تسمى بايسه بالمؤنث

وكانت للبيسا الواحدة قيمة شرائية حقيقية. فبها يستطيع المرء أن يشتري عدة أصناف من المطعومات حتى لو زادت عن أربعة بمجرد الإشارة إلي البقال بأنه يريد بأرباعها قدرا من البصل

4

ربما في إشارة لكون الكلمة والعبارة زوجان مترابطان فزنجبار والسلطان والعدل هما جوهر

القيمة - المترجم.

والثوم والبهارات الهندية، والملح، وأي شئ آخر. ويجيبك البقال بكل أريحية، إلى ما طلبت.

وتضم الروبية أربعة وستين بيسة. وتوجد عملات نصف روبية وربع روبية، وثمن روبية. أما الثمن فهو عملة فضية صغيرة لم أرها أبدا إلا مع عمي الشيخ عيسى بن علي. كان لديه الكثير منها في خزانته، وكان يعطى واحدة منها إلى كل طفل يزوره لتهنئته في الأعياد. أما بقية أعمامنا، فكانو يعطوننا روبية كاملة، فيما لو أرادوا أما هو فيعطينا ثمن روبية. ومع ذلك كنا نذهب إليه في الأعياد ونهنئه. ولا أعرف من أين أتى بهذه الكمية

من تلك العملة النادرة. ثانيا: مواصلة التعليم

أسعدنا الحظ في الصف الثالث الإبتدائي العام الثالث من بداية تعلمي اللغة الإنجليزية، بمدرس رائع آخر من ثمار هولنجزويرث هو الأستاذ محمد تقى وبرعايته واصلت تقدمي الطيب في المعرفة بتلك اللغة. فمن أهم خصال أساتذتنا آنذاك، أنهم كانوا يولوننا اهتمامهم الشخصي، ويحرصون علي أن نقوم بواجبنا كطلبة على أحسن وجه ممكن. أساتذتنا تقي، وهلال، ودارسي، علي تجشم متاعب إعطائنا دروسا خصوصية إضافية بعد تلك التي يقدمونها لنا في الحصة المدرسية. وكان أستاذنا في الصف الرابع الإبتدائي، الذي بات يعرف لاحقا بالمستوى الثامن، أو الصف الأخير في المرحلة الابتدائية، هو الأستاذ عبد الله صالح الفارسي والي دارسي. ولم يكن هذا الأستاذ قد تعلم علي يد هولنجزويرث، ومع ذلك كان

وحرص

203

202