الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١٠٤أستاذا بالغ الجودة بكده واجتهاده. فلقد كان يتلقى دروسا خصوصية علي يد أستاذ انجليزي بإرسالية الجامعة لوسط إفريقيا، ثم اجتاز مقررا بالمراسلة من كلية المعلمين بانجلترا. وصار نتيجة ذلك، مدرسا يشار إليه بالبنان يوحي نطقه للغة بأنه لم يتعلمها من غير من هي لغتهم الأم إلا لفترة وجيزة. وكان قاموس مفرداته ثريا. ولا يشير مع كل كلمة إلي معناها فحسب بل إلي أصلها اللاتيني أو الفرنسي أو اليوناني. وبتشجيعه وتحت إشرافه أسسنا، نحن تلاميذه مكتبة فصل صغيرة ضمت نخبة من خيرة الكتب الأدبية الكلاسيكية. وهكذا صرت في العام الثالث لتعلمي الإنجليزي علي معرفة بفحولها من أمثال: تشارلز ديكنز وروبرت لويس استيفن ووالتر سكوت، وشارلز وماري لامب هـ. ج. ويلز، وريدر هاجرد وروديارد كبلنج، ونظراؤهم.
وحينما كنت تلميذه عرض إعطاء فصلي كله درسا خصوصيا بمنزله بعد الدوام المدرسي مجانا. والشرط الوحيد الذي وضعه أن من يغيب ليوم واحد مهما كان السبب فإنه يطرد بلا رجعة. وكل يوم كان يكلفنا بكتابة مقالة في الساعة الأولي، ويصححها الساعة الثانية. وفي النهاية يعطي الحاصل علي أعلي درجة
في
كتابا بصفة جائزة.
ولم يمر وقت طويل قبل أن أصير أنا التلميذ الوحيد المثابر علي الحضور. فكل رفاقي حرموا من الحضور لعجزهم لسبب أو لآخر عن الانتظام. وهكذا انفردت بكل اهتمام أستاذي الذي كنت أكتب له مقالا كل يوم. وحتى لو كنت غبيا، فإن المكافأة باتت مضمونة، لكوني الطالب الوحيد المتبقي.
وكانت الجائزة ذات مرة هي كتاب "التعويذة لسير والتر سكوت
تلك الرواية التاريخية المتعلقة بالمآثر البطولية لصلاح الدين وريتشارد قلب الأسد إبان الحروب الصليبية. ومما لفت نظري لأهمية هذا الكتاب أنني كنت قد قرأت في تلك الآونة في كتاب آخر أعطاه لي عمي الشيخ مسعود بن علي، عنوانه فيما أظن (الحياة) المتفائلة وصية تقول: " انظر لو أصابك الغم، إلي لوحة فنية جميلة، أو اقرأ إحدى روايات سير والتر سكوت". واستفدت من المران على يد أستاذي دارسى حين جاءت الحاجة إليه، وأنيط بي إعداد افتتاحية أسبوعية لصحيفة المرشد.
:ثالثا مجموعات العم عيسى بن علي الأثرية
غريب عمي هذا الذي كان يعطي ثمن بيسة لأولاد أخواته والذي صار بموت جدي عميدا لآل البرواني. وهو الذي حمل علي عاتقه جمع أسماء كل من يقتفي له أثر يدل علي انحداره من نسل الجد المشترك للبراونة: سنان بن عبد الله. وأثمر جهده هذا عن شجرة عائلة رائعة هي الوحيدة المتاحة في عمان
وزنجبار.
وكانت بمتحف زنجبار نسخة من شجرة العائلة تلك. وأول من رسمها هو الشيخ عبد الله، فرحان المعروف بأبي الفن والذي كان ماهرا في استخدام الألوان المائية. أما ثاني من رسمها فهو ابن عمي محمد بن سليمان الذي كان تلميذا وصديقا للأب الفنان. أما الطبعة الثالثة من تلك الشجرة فأنتجتها ريشة حمود
المفرد برواني والجمع براونة
205
204