الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ١١٠

المسيحية، وجعلها مجرد ورقة تستغل لفترة وجيزة في التدمير الكامل للإمبراطورية، التي بذل أسلافها جهودا ضخمة لتأسيسها.

ووصل الهوان بتلك الأميرة العربية، حد تقديم التماس إلي الإمبراطور الألماني كتبته في الثاني من يوليو 1888، ينضح بالمرارة تقول فيه:

" أنا، مسيحية، متزوجة بألماني علي مدى واحد وعشرين عاما. وعشت علي الدوام طيلة هذه الفترة في ألمانيا. وأنا بالتالي مواطنة ألمانية. ولي الحق بهذه الصفة أن أطلب العون عبر الممثل الألماني. فهل لي أن أرى الآن أن نبوءة أقاربي من سنوات طويلة بأن إخواني في الديانة المسيحية سيتخلون عني، قد تحققت؟ ".

وكتبت سالمة المرهقة الحزينة المملوء قلبها بالمرارة في واحدة من رسائلها الكثيرة تقول:

"بالنسبة لي شخصيا، فإن أي مكان سيكون مناسبا، لأنني

لا أنشد إلا السكينة والسلام. ولم يعد لي شخصيا أي وطن علي ظهر الأرض".

فماذا كانت تتنظر تلك السيدة بعد أن هجرت عائلتها ووطنها وقبل كل شئ دينها لمجرد علاقة حب عاطفية؟ دامت علاقة لسراب بينها وبين محبوبها رودولف روتي ثلاث سنوات فحسب، لقي بعدها منيته في حادث تحطم ترام في هامبورج. ولم يبقى لها غير شبح ذكرى حبيبها، التي اضطرت بسببها للتظاهر بالتمسك بمسيحيتها دون قناعة داخلية بها، والرغبة في أن تربي أطفالها كما تعتقد أن زوجها كان يتمنى أي علي أن يكونوا ألمان

ومسيحيين. وبينت رسائلها بجلاء أنها لا تؤمن بالديانة التـ تبنتها في الظاهر. فلنقرأ ما جاء في واحدة من رسائلها: "لم تسفر الهواجس التي تملكتنى عن شئ يذكر عدا العذاب لروحي المسكينة. ولم أجد بين كثير من المسيحيين إلا قلة يسيرة تترفع عن الدنايا وتنشغل بالباطن لا بالظاهر فرقوا بيني وبين ديني السابق ولا زلت لا أجد بديلا يحل مكانه. فأنى لي، كمسلمة، أن أنجذب إلى الديانة الجديدة، إذا كان من ولدوا مسيحيين وتربوا مسيحيين هم أنفسهم يتعاملون بازدراء مع

دينهم؟ وفي معرض حكاية خبرتها في كنيسة ذهبت للصلاة بها تقول

سالمة:

"لم أسترح للصور الموجودة بالكنيسة، لأننا أولا، معشر المسلمين محرم علينا الصلاة في مكان به صور. ولأنني ثانيا، وجدت أن الصور تنال من خشوعي، واعتبرت ذلك خطيئة. وملأني إحساس بالمقت تجاه حقيقة أن المصلي الورع منهم لا يبدي تواضعا ملموسا أمام ربه، أعني أنهم لا يسجدون لله. واعتبر عقلي، الذي لم ينشأ وفق الرؤى الغربية، أن طلب الدنيا في وسط الصلاة امتهان فاضح

لحرمتها.

وأقول بصراحة أنني رأيت أن من الدنيوية بمكان أن أطلب المال في بيت الله، تعالي أثناء قداس الصلاة. وقد يحق لي أن أتصور أن الفكرة التي يجب أن تسود عندما يدخل المرء بيت الله، أن تخشع روحه ويعبد ربه، لا أن

217

216