الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ١٢٠

وأنجب من تربوا علي يد هولنجزويرث هو محمد سالمز جينجا الذي عين مساعدا لهولنجزويرث برضا الجميع فور تخرجه في تلك المدرسة. ظل وبعد افتتاح المدرسة الثانوية مساعدا له في

المدرسة، وفي حركة الكشافة، وفي المجالات الرياضية.

واقتدى بعضنا بجينجا في كثير من الأمور. وأتذكر أننى كنت أقرأ في العشرينات من عمري صحيفة كان يعدها لإرشادنا، ويحثنا فيها علي غرس خاصية ما أسماه "المثابرة، وثبات العزيمة" في نفوسنا، وينبهنا إلي أنها مفتقدة إلي حد بعيد في أوساط الشباب الزنجباري. وانطبع هذا التشخيص لنقطة ضعفنا في ذهني بقوة. وقررت أن أتشبث بأي برنامج عمل بمجرد أن أقرر السير فيه. فالتغيير وفق الأهواء وبمنطق الغاية تبرر ـيله خطأ قاتل ولم أره أبدا يحيد عن موقفه مهما كانت الظروف. تلك كانت هي الكيفية التي تقبل بها بصمود وثبات نيران قاتليه فلم يكن من خلقه أن يساوم علي مبادئه لأغراض نفعية، حتى لو كلفه ذلك حياته.

وكان محمد سالم جينجا يتمتع بتلك الموهبة النادرة المتمثلة في القدرة علي التعبير عن أفكاره بأنسب تعبير. قال لي صحفي أمريكي صديق لي، بعد أن عرفه: " لم أقابل أحد من قبل ينتقي كلماته بمثل هذا الحرص فأي كلمة يستخدمها هي أنسب ما يمكن أن يدور بخلد أي إنسان". واعتاد ذلك الصحفي على تسميته: " سيد "أكسفورد". ووصف جينجا ذات مرة عالما لا شاغل له إلا الفقه بأنه: " مجرد شخص همه الوحيد هو مظاهر الإسلام "،. وهذا بحق هو النعت الملائم لمن ينشغل بغير القيم الروحية والأخلاقية الأهم والأكثر جوهرية.

لغته

وأتيحت لي الفرصة الأولي، بتتلمذي علي يد هولنجزويرث، لتعلم الإنجليزية علي يد مدرس منقطع النظير، الإنجليزية هي الأم، ويمثل الطالب البليد تحديا له يصمم علي تفهيمه. وكان كثيرا ما يقول: "لن يهزمني أحمق مثلك لابد أن تفهم". ثم يحاول بكل الطرق توصيل المعلومة إلي أن يستوعبها أغبى تلميذ. بالفصل وكان الإنصات إليه وهو يدرس خبرة بحد ذاته.

التحقت بماكريري دون امتحان بالمرة. فقط، كانت مكالمة تليفونية شخصية من هولنجز ويرث كافية لقبولي. أتذكر تلك الواقعة كما لو كانت قد حدثت اليوم كنت منتظرا خارج مكتبه وهو يقول في اتصال هاتفي مع مدير التربية والتعليم: "علي" محسن أفضل طالب رأيته في حياتي.". خامرني إحساس بأنه كان مبالغا في قوله هذا، علي الرغم من أنني لم أجرب عليه المبالغة في الثناء علي أحد. فربما كان يشير إلي تلاميذه في المدرسة الثانوية، لأن تلاميذه بالمدرسة الابتدائية كان من بينهم

طلاب لامعين، قد لا أرقى إلي مصافهم.

و زرته في مدرسته بعد مرور عام علي بالجامعة. كان أول سؤال طرحه علي: "هل حافظت علي سمعتنا في اللغة الإنجليزية؟ ". وبلغ بي الخجل حد التزام الصمت التام. سألني ثانية: "هل تحافظ علي سمعة زنجبار في اللغة الإنجليزية، أم لا؟ " قلت بصوت هامس: " نعم سيدي .. ". رد بكلمة واحدة: " حسنا".

كان هذا هو هولنجزويرث، ومدى اهتمامه بطلابه وحبه لزنجبار. وتمسك بهذا الاهتمام حتى آخر حياته في انجلترا. فسمى بيته الإنجليزي "كليماني: " بمعنى "علي التل" علي اسم موقع بزنجبار. وبعد تقاعده وانتهاء خدمته بزنجبار تولي تدريس

237

236