الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ١٢١

السواحيلية في جامعة لندن وألف هناك كتابه زنجبار في ظل وزارة الخارجية". قابلته عام 1952 أثناء مشاركتي في مؤتمر حول "التعليم في إفريقيا "البريطانية" عقد في كامبريدج، حيث حدثني عن أطروحته للدكتوراه التي كانت حجر الأساس لكتابه المشار إليه. وقال أنها تعالج نفس الفترة التي غطيناها في جريدتنا الأسبوعية الوطنية الراديكالية، المسماة: "المرشد".

ولقد كنت أكتب سرا افتتاحيات لتلك الجريدة، وأنا لا أزال موظفا حكوميا، بوظيفة اخصائي زراعة مساعد. وجاءني شاب وطني يعمل كاتبا بمكتب سكرتير المالية يدعى محمد جساري، ومعه ملف "سري " ضخم، يتعلق بتحايل الحكومتين البريطانية والألمانية لاغتصاب أجزاء من الشريط الساحلي الزنجباري لصالح كينيا وتنجانيقا. وحين رأيت ذلك الملف أدركت أنه كنز ثمين. وقررنا أن يأخذ محمد جساري الملف معه ويحضره لي في المكان

الذي كنت أقيم فيه قرب الكاتيدرائية الكاثوليكية.

وكتبت بدأب ما تيسر لي كتابته حتى منتصف الليل، علي الآلة الكاتبة المحمولة. ثم ركبت دراجتي وذهبت إلي بيته في مشانجاني لأعطيه الملف ليضعه في موضعه في صباح اليوم التالي. وكررنا صنيعنا هذا الليلة تلو الأخرى حتى أتممت نسخ الملف كله. ثم التزمنا الصمت فترة ثم فجرنا الموضوع بسلسلة مقالات بعنولن: "الدليل الوثائقي " فاضحين الطريقة المشينة يسلب بها الألمان والإنجليز أراض زنجبارية بالخديعة

والاحتيال. وعلمنا من الملف أن كل هذا التآمر حدث علي الرغم من المعارضة الشديدة من جانب السير آرثر هاردنج القنصل البريطاني العام، والسير لويد ماثيوس اللذين لم يطاوعهما

ضميرهما لقبول الظلم المتجذر في تلك الأعمال المخادعة، رغم كونهما مسؤولين بريطانيين، إلا أن اللورد سالسبوري أخرسهما بحكمه القاطع قائلا: "هذه هي إحدى التضحيات التي يتعين علي زنجبار تقديمها من أجل المصالح الإمبريالية”. هاجت السكرتارية (مركز الإدارة (الاستعمارية وماجت مع فضح هذا المستور، خاصة مع فشلها في معرفة الكيفية التي وصلت بها تلك المعلومات الحساسة إلينا. وترددت شائعات بأن الشرطة ستغير علي مكاتب الجريدة. ولابد أن أعترف بأنني كنت منزعجا، لأنني لم أكن أريد أن يتحمل زميلي الصحفيين أحمد سيف الخروصي ومسعود الريامي وطأة ذلك الهجوم الرسمي، بينما أنا المسؤول الحقيقي عما حدث. ولكنني لم أرد أن أقدم علي أي إجراء طائش أو متهور. التزمت الهدوء إلي أن عالج الزمن بمروره الوضع بنفسه. وبعد فضح تلك المراسلات السرية بات بإمكان، هولنجز ويرث، بلا، ريب استخدامها في أطروحته

للدكتوراه، ونشر جزء منها في هيئة كتاب.

وكان أستاذنا القديم هولنجز ويرث قارئا مداوما لمطوية: صوت زنجبار، التي كانت تصدرها منظمة زنجبار بإشراف أحمد سيف الخروصي في بورتماوث بعد الكارثة التي دفعت بكثير من الوطنيين الزنجباريين إلي المنفي. وكان يرسل شيكا صغيرا إلي تلك المنظمة كلما اطلع في تلك المطوية علي مقال يرى أنه حرر بشكل جيد، كما حدث لدى نشر كتيبي الموسوم كنت سجين نيريري ".، الذي وصفه في خطاب أرسله إلى وأنا بالقاهرة بأنه: "رائع". واقترح علي كتابة كتاب مطول بذات العنوان. والآن وأنا بصدد تأليف ذلك الكتاب، ولكنني لا أعتقد أنني سأحتفظ له بهذا

239

238