الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ١٢٤

اللندنية، فرأوا أن اختياره لتلك الوظيفة بالخارج، يلفت أنظار الجبابرة من أمثال هتلر وموسوليني، إلي أن بريطانيا لا تبخل علي مستعمراتها بأفضل علمائها.

وجاء هذا التعيين بعد أن كان دوق، جلوسستر، شقيق الملك جورج السادس قد دشن أول مراسم قطع أول عشبة علي تل، ماكيريري، إيذانا ببدء بناء المبنى الإداري لماكيريري الجديدة. ولم يكن الكابتن تومبلنج رئيس الجامعة السابق مثقفا بمعنى الكلمة، بل كان نقيبا متقاعدا من قوات الرماة الإفريقية الملكية. وأدار الجامعة علي شاكلة إدارته للثكنات العسكرية، حيث كان شاغله الأكبر هو الانضباط، مع معرفة لاتكاد تذكر بكيفية إدارة مؤسسة أكاديمية. إلا أنه كان صاحب نكتة خففت بعض الشئ

من صرامته.

کان ممازحا، ومن السهل التعامل معه لمن يحترم أساليبه الصارمة. قال ذات يوم وهو يتسامر مع بعض الطلبة: " بعضكم يأتي إلي هنا ويخرج كالغنم، دون أن يترك أثرا. أنت يامحسن، علي سبيل المثال، لم ترد إلي أي شكوى من ارتكابك أي مخالفة. فأنت لا تتعاطى الخمور. ولا تقفز من فوق السور بالليل. أنت مثل الخروف تماما.

وفي عهده كان لزاما علينا تأدية التمارين الرياضية في السادسة صباحا، تحت إشراف موجريري الذي كان رقيبا تحت قيادته إبان الحرب العالمية الأولي. وكانت تلك التدريبات صعبة. ولكنها أفادتنا بدنيا للغاية. وفي غضون ثلاثة أشهر تحولت من شاب ضعيف لا طاقة لي بالمجهود البدني إلي شاب مفتول العضلات.

وبجانب التمارين البدنية كنا نلعب كرة القدم والتنس وسباق اختراق الضاحية الذي كان تمرينا صعبا بحق. بدأنا بخمسة كيلومترات وانتهينا بأحد عشرة كيلومتر. نصعد التلال المحيطة وننزل إلي الوديان بماكيريري. أما النخبة فكانت تنفذ سباق الماراثون الطويل لمسافة خمسة وثلاثين كيلومترا من عنتيبي إلي كمبالا. ولم أكن من بين أفراد تلك النخبة. ولم يكن تومبلنج يقبل أية أعذار للإعفاء من تمرين اختراق الضاحية. وكان يقول لنا عندما نصاب بالحمى: لا مفر من أن تجري وتعرق ". واحتفظت ماكيريري بالصدارة في كرة القدم وفـ المنافسات الرياضية طيلة رئاسته لها. بل إنه كان يضم بعض طلاب الثانوي في فريقها الرياضي، في بعض الأحيان لتفوقهم في المجالات الرياضية، وليس لتفوقهم الدراسي. أما جورج تينر فهو من نوعية أخرى. كان مثقفا لامعا بليغا من الطراز الأول.

وتضمن برنامج تدريبنا كطلاب زراعة إمضاء عام في مركز بحوث شمال أوغندا، بمنطقة سيريري، التي هي الأكثر جفافا، فضلا عن كونها علي النقيض من منطقة ماكيريري حارة وسهلية، وبدائية، ويندر وجود شئ فيها يخفف من رتابة المشهد. إلا انني لم أتمتع بجمال السماء مثلما تمتعت به في هذه المنطقة. لم يكن علي الأرض ما يسر الناظر. ومن ثم كانت جاذبية تقليب الوجه في السماء.

وفي ضواحي مركز البحوث كان يوجد تجمع عمراني صغير مكون من بعض المحلات المصنوعة من صفائح الحديد المموجة. أما البشر سكان تلك المحلة فهم: عجوز عربي يمني وابنه الشاب يشتريان الماعز بسعر منخفض نسبيا، ثم ينقلانها

245

244