الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ١٢٧

الاعتبار زنجباري بالمولد، لأن ساحل كينيا كله من لامو إلي فانجا كانت جزءا لا يتجزأ من ممتلكات السلطان حتى نهاية عام 1963، حين آلت السيادة عليه إلي الجمهورية الكينية حديثة العهد بالوجود. وبمقتضى القانون الزنجباري، ووفق الأعراف الدولية المستقرة، فإن كل من ولدوا علي أراض خاضعة لسيادة السلطان هم زنجباريون بالمولد، وذراريهم أينما ولدوا، زنجباريون بحكم النسب، ما لم يختاروا تغيير جنسيتهم بجنسية أخرى.

كان من المفترض أن يلتحق صديقي علي بجامعة ماكيريري قبلي بعام ولكن طبيبا بمستشفي حكومي كان ينتظر الحصول منه علي رشوة، أعاده بدعوى عدم اللياقة الطبية. ظن ذلك الطبيب أن علي ثري وبوسعه أن يقدم له هدية جميلة. بينما كان ذلك مجانبا للصواب. فلم يكن علي ثريا. ولم يكن يدور بخلده أبدا التفكير في إفساد مسؤول برشوة، حتى لو كانت حالته المادية تسمح له. وكان علي هو أفضل طالب في مجموعته من الناحية الأكاديمية. ولكنه لم يلتحق بكلية ماكيريري بسبب ذلك التقرير الطبي، وصار مدرسا بمدرسة ابتدائية في ممباسا براتب يسير. وبإيثار جميل استقبلنا في بيته المتواضع في كيبوكوني بممباسا. وكان يفترش هو وإخوته الأرض ويتركوا الأسرة لنا، وتجهز أمه العجوز بيشنجازي، وأخته شريفة الطعام للضيوف والزوار الذين لا ينقطع حلول ركبهم عن بيتهم المتواضع.

ومن المفارقات أن صديقي علي الذي صار فيما بعد محافظا إلي حد بعيد، هو الذي فتح عقلي علي كتابات هارولد لاسكي وبرنارد شو، وسيدني وباتريس ويب ومايكل، فوت يساريي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، والذين قد لا يعتبرون بمعايير

اليوم راديكاليين. ولكن الإطلاع علي جرائد النيوستاتسمان والناشيون، كان يكفي في تلك الحقبة المبكرة لدمع فاعله بالتخريب، في نظر السلطات الاستعمارية وشاء الله تعالي أن يصير صديقي القديم علي نسيبا لي حينما تزوجت عزة قريبته عام 1944. وأعطاني حين زرت لندن للمرة الأولي البدلة الصوف التي استمددت منها الدفء في خريف شديد البرودة. فلقد كنا نلبس نفس المقاس، رغم أني كنت فيما أعتقد أطول منه وأسمن بعض الشئ.

وساعدني علي في صياغة مسودة القانون الأساسي الحزب الوطني الزنجباري في فترة تأسيسه، ولكنه تحول فيما بعد مع ارتقائه في سلم الخدمة الحكومية، إلي العزوف عن العمل السياسي، واستاء علي وجه الخصوص من علاقتي بمصر، التي كان التوجه المعادي للغرب يتجذر بها باطراد.

فلم يكن على يطيق على وجه الخصوص أن يرى تمثالا نصفيا صغيرا لجمال عبد الناصر بحجرة الجلوس في بيتنا. وامتنع عن زيارة بيتنا فترة لهذا السبب. وبعد الإطاحة بحكومتنا، وتعرضه هو نفسه لنفثة السجن دون محاكمة التي أصابت الكثيرين في ظل نظام حكم كارومي، رق قلبه واعتاد طيلة سنوات اعتقالي علي إهداء ذبيحتين لأمي، في عيد الفطر، إلى أن وافاها الأجل. واستعدنا أواصر العلاقة الحميمة القديمة مع علي، حينما عشت مع زوجتي بضع سنين في ممباسا بعد مغادرة القاهرة. وكان يقضي أيام الآحاد معنا في منزلنا الجميل علي شاطئ موتنجوي.

251

250