الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١٣ونخلص من كل ما سلف إلى أن الخيط الفكري الناظم للدراسة
:هو فريضة البحث عن الوئام ما دام في جسد المرء عرق ينبض. وهو هنا يرسم معالم مهمة على هذا الطريق، ويقدم العبرة والأسوة الحسنة في السير عليه، ويحدد شروط السير ومحاذيره وزاده، وعاقبته المرجوة.
وعلى متصل هذا الناظم نصاحب المؤلف رحمه الله وهو ينبهنا إلى أنه بصدد تقديم شهادته للأمة، بصراحة لامواربة معها ولا فيها، في كتاب عنوانه ناطق بمضمونه، يتعجل التخلية بينه وبين القارئ، ويستكثر بضع صفحات قدم بها له، ليلقى بيد القارئ بمهارة من سطوره الأولى بأول شواهد تواضعه. فهو فيما يقوله ليس ابن خلدون حتى يجاريه في صنع مقدمة كمقدمته. وسرعان ما يصب هذا التواضع ذاته فى تجلية رفعة قامته المعرفية التي ستتكشف مع كل سطر يقرأه الناظر في كتابه الذي بين أيدينا. ويصرح المؤلف بأنه يكتب لمن يحبونه ويحبهم. ولا يسعى المحاكمة مقولات أحد. ويؤكد أنه ليس من غرضه النقد ولا النقض. بل سيترك الحقيقة تقدم نفسها بنفسها. ويعتذر لمن يمسهم صدعه بالحقيقة، بأنه لا يملك إلا ان يصدع بها. وبكرامة بالغة ينحي نفسه كشخص، لتتربع الفكرة. ومن هنا فحسب يتأهل لأن يرى نفسه يتقلب بين الشكر والصبر، ولأن يغيب القارئ عنه وعن نفسه، في محراب فكرته.
ونود أن نؤكد في مستهل مشوارنا مع محاولة الإمساك بالخيط المعرفي الناظم لهذه الدراسة وبيان مفاصله الكبرى، على الدلالة العميقة لحرص السلف على اعتبار الهوية هويتنا الإسلامية يجب أن تكون هي الميزان، وغيرها موزون بها.
ففي مقابل واقع مرير صار الغرب معه هو المعيار، وغدت الساعة تتحدد بخط جرينتش، والتاريخ يكتب وكأن الجذر اليوناني والروماني للغرب الحديث هو التاريخ الذي لا تاريخ معه ولا قبله وكأن المشروع الحضاري الغربي الراهن الذي تكاثرت علامات هرمه وشواهد جنوحه هو نهاية التاريخ نجد والد المؤلف يسجل تاريخ ميلاد ابنه بالتقويم الهجري. وبه يتحدد مقابله بالتقويم
الميلادي وليس العكس.
وفي حين يستحضر المؤلف البشري المتضمنة في مولده في ربيع الأول، فإنه يسارع إلى نفي أية أساطير تشاؤمية ترتبط بدلالة مولده يوم الثالث عشر من يناير 1919. وهذا في رأيي أحد مفاتيح شخصية علي محسن البرواني المهمة فهو حتى حين يدخل السجن في مثل يوم مولده، فإنه يثبت للسجن فضلا عليه في فهم الشخصية الإنسانية، وفي الإيمان بقضاء الله وقدره وفي تعلم الحب والتواضع والتضحية بالنفس، أو بالأحرى المزيد من تلك الخصال، ويعضد ذلك بمقابل أهم يتمثل فى حياة زوجية
هنيئة دامت قرابة نصف قرن بدأت في مثل ذلك اليوم.
وينطلق المؤلف بنا من هذا الموقف الرمزي المهم، إلى الولادة المتعثرة لدولة زنجبار، وإلى ضرورة القراءة السياقية لأحداث الأمة وأيامها. ويربط بين طرد المسلمين من أسبانيا، والقضاء على الخلافة العثمانية، والعصف بكيان زنجبار عام 1964 وحين يتأمل في سر استقرار النظام الحاكم هناك حتى الآن رغم كل الويلات التي جرها على البلاد، يربط المؤلف مرة أخرى بين نكبة زنجبار، والمد الاشتراكي في اليمن الجنوبي، واضمحلال دور مصر والأزهر في إفريقيا.
23
22