الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١٤ومن المفصل الأول على الخيط الفكري الناظم لهذه المذكرات، يضع المؤلف يدنا على أخطر داء أصيبت به أمتنا. فأمتنا بوضعيتي ما ينبغي أن تكون، وما يمكن أن يكون هي أمة اقرأ، التي هي معكوس الجاهلية التي كانت قائمة قبل الإسلام ووحدة تلك الأمة واستقامتها رهن بتنشئتها على صحيح الوحي والعلم وأول ما نخر ولا يزال ينخر في بنيتها ويقوضها هو الأساطير التي تغرس في عقول النشء، وتصور لهم طوائف أخرى على هيئة شيطانية لا إنسانية.
ولاريب في كون هذه الأساطير هي باب الشر الرئيس في تاريخ الإنسانية وفي كل زمان ومكان. فمنها ولدت الشعوبية فى عالمنا الإسلامي. ومنها نبعت كل سوءات الدولة القومية الراهنة ونتنها. وعليها تغذت الفاشية والنازية والعنصرية والشوفينية البيضاء والسوداء على السواء. وبزادها ومقولاتها ترعرعت النعرات العرقية وحركات التصفية العرقية، وانتشرت كالفطر فى عصر ما بعد الحرب الباردة التالى لعصر الثنائية القطبية الأمريكية السوفيتية وما يحلو لكثيرين تسميته عصر العولمة، أو النظام العالمي الجديد، أو الأحادية القطبية الأمريكية، أو الحرب الباردة الجديدة بين عالم الشمال والخطر الإسلامي الأخضر، والصيني الأصفر، أو الحرب العالمية على الإرهاب. وفي هذا السياق تروج وبشدة أساطير الحدود الدموية للإسلام واستعصاء العقل الإسلامي على القبول بالآخر وعلى العيش فى الحاضر، ومركزية إسرائيل في التقدير الإلهي لمصير البشرية والحياة على الأرض، ونذر معركة هرمجدون الفاصلة بين الخير والشر.
ويقرر المؤلف على صعيد الحالة التي كانت عليها زنجبار على هذا المحك أن الأساطير الطائفية كانت مستشرية في زنجبار بين الأطفال، دون الكبار، وينعتها بالتبعية بالأساطير الصبيانية. ويعبر هذا القول عن طبيعة شخصيته وعائلته المتحررة تماما من تلك الأساطير، وعن عملية تنشئته الاجتماعية التي عرفت درجة عالية من الانفتاح وسعة الأفق على شتى تيارات الفكر وعلى مختلف الأعراق. ويثير وصف الصبيانية هذا، سؤالا بالغ الأهمية: هل يمكن لمجتمع تعشش الأساطير الطائفية في عقول صغاره، أن تخلو نفوس كباره منها في السر والعلن؟ أم أن الوئام بين الكبار يظل قشرة رقيقة تخفي تحتها قابلية كامنة لسوء الظن
والصراع؟
يبرهن درس زنجبار على أن من يشب على شئ يصعب تخليص عقله كبيرا منه، وعلى أن الأساطير الطائفية كانت كامنة في نسيج المجتمع الزنجباري كله، وبحاجة إلى تخليصه منها عبر عملية تربوية، جامعة، وبصيرة لدى أنظمة الحكم تجفف منابعها، وتعالج آثارها. ولهذين الهدفين نذر المؤلف حياته. وبمدى النجاح والفشل في تحقيقهما ربط مصير الأمة في حاضرها ومستقبلها.
ولعل تجربة الانقلاب على حكومة الوحدة الوطنية والاستقلال والجهد الجهيد الذي بذله للإنتقال بمجتمعه الزنجباري من مجتمع المكتبات والجمعيات والرابطات التي يقف همها عند الهم الطائفي، وتغيب لديها الرؤية الجامعة لهموم وتطلعات الوطن والأمة والإنسانية جمعاء، إلى رحاب وعاء مؤسسي جامع هو الحزب الوطني الزنجباري قائم على المواطنة الجامعة، يؤشران على أن جدلية التفاعل بين أعراف وتقاليد الوئام التي ترسخت
25
24