الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١٣٠مرعبة. وعند وصول الوضع إلي هذه الحالة، كشف تشرشل عن مواهبه كزعيم. وحين آلت القيادة إليه من تشامبرلين المريض والمداهن أعلن أمام البرلمان والأمة البريطانيه مقولته:
"ليس أمامي ما أقدمه غير الدم والكدح والدموع والعرق. سنواصل القتال في التلال وفي الشوارع ولن نستسلم أبدا. وحتى لو غزيت هذه البلاد أو جزء منها، أو تم إخضاعها، وهو ما لا أعتقد أنه سيحدث على الإطلاق فإن إمبراطوريتنا المسلحة والمعززة بالأسطول البريطاني ستواصل القتال إلي أن يهب العالم الجديد بكل موارده لمؤازرة العالم القديم".
قال تشرشل هذه الكلمات في وقت بدا فيه أن الديكتاتوريات، مظفرة، وأن الديموقراطية تترنح علي الأقل في ميدان القتال. وفي حين غزت القوات الألمانية النرويج بدقة بالغة منيت الحملة البحرية البريطانية الرامية إلى نجدة القوات النرويجية المرابطة في المنافذ البحرية بفشل ذريع. ذلك أن وحدات الأسطول كانت أضخم من الممرات التي كان من المفترض أن تدخلها. وافتقرت الزوارق التي تحمل مشاة البحرية حتى لمياه الشرب. ولم تكن المدافع التي تحملها مناسبة لمواقع نصبها. وهكذا وقعت قوة الإنقاذ البريطانية في تخبط متواصل. أما الشئ الوحيد الذي لم يهتز فهو معنويات تشرشل وصوته الذي بات رمزا يتلخص فيه كل شئ. استمعنا إليه بالراديو وهو يخاطب قوة بريطانية أرسلها إلي النرويج، ويقول:
" أنتم طليعة الجيش نرسلكم نحن وحلفاؤنا الفرنسيون لتطهروا أرض النرويج، أرض الفايكنج من تلوث الطغيان النازي القذر "
كلمات جريئة من زعيم جرئ ولكننا حين جلسنا نشاهد شريط الأخبار بالسينما فيما بعد، رأينا تشرشل يخطب في حوالي عشرة من الناجين البؤساء من كارثة النرويج. لم يكن هناك في ذلك الوقت تلفاز أو أشرطة فيديو. لكن هتلر لم يقدم علي غزو بريطانيا. لماذا؟ اعتقد شخصيا أن السبب هو تشرشل، الذي جعل هتلر يعتقد بحقيقة أن كل البريطانيين هم من طراز زعيمهم المقدام. أما لو كان الذي يقود بريطانيا شخصا ضعيفا مثل تشمبيرلين فى ذلك الظرف الخاص، لعبر هتلر القنال الإنجليزي والتهم بريطانيا، التي كانت، لولا تشرشل، آيلة للسقوط. وحينما كنت أنا ومحمد سالم سيف المعمري، في زيارة لبرلين الغربية عام 1962، سألنا ضابط التشريفات الذي عين مرافقا لنا، عن رأيه في مختلف الجيوش التي حاربت الألمان في تلك الحرب، التي فقد فيها هو نفسه أحد، ذراعيه، فرد بقوله: "كانت القوات الأمريكية هي الأفضل عتادا وتجهيزا وغذاء. أما الروس فكانوا يكتسحون بمجرد الكثرة العددية تقتل ألفا منهم فينهض لمواجهتك عشرة ألوف. أما البريطانيون فاتسموا بالصرامة والإقدام".
وبلغة الحكماء يلخص تشرشل هذا كله بقوله:
العزيمة والثبات في الحرب. والتحدي عند الهزيمة.
alime
257
والشهامة عند الانتصار
256