الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١٣١وقبل ما يربو علي ألف عام جسد النبي صلي الله عليه وسلم كل هذه الخصال. فلا أنصاف حلول في محاربة العدوان. وبهذا المبدأ غلبت فئة قليلة مؤمنة يوم بدر قوة معادية أقوى عتادا، ويماثل عددها ثلاثة أمثال عددها. وفي موقعة أحد، وفي الوقت الذي أصيب فيه النبي نفسه، وقل عدد الصامدين حوله من رجاله، ننصت إليه صلي الله عليه وسلم وهو يأمر جنوده المهزومين المكلومين بأن يطاردوا العدو المنتصر ليرمي الله تعالي الخوف في قلوبهم. وعندها لاذ الكفار بالهرب لتوهمهم أن
المسلمين قد جاءهم مدد
وحينما دخل عليه السلام مكة مظفرا، وكل من اضطهدوه من قبل باتوا رهن إرادته، صار نموذجا مجسدا للشهامة والعفو الصفح الجميل. ولننصت إليه وهو يقول لهم: ماذا تظنون أني فاعل بكم فيردون: أخ كريم، وابن أخ كريم فيعلن عفوه العام عنهم ويقول: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
ـــع
وفي ظرف مماثل تعامل صلاح الدين بالشهامة والصفح الجميل المسيحيين المهزومين حين حرر القدس من الصليبيين، مع أنهم هم نفس الصليبيين الذين سبق أن سفكوا دماء المسلمين في مذابحهم بالمسجد الأقصى، حتى وصلت تلك الدماء إلي ركب
خيولهم.
وأبدى الحلفاء شهامة جديرة بالثناء في تعاملهم مع الألمان واليابانيين بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. ولكن الأسى يعتصرنا ونحن نرى مواصلتهم بإصرار فرض عقوباتهم الجماعية علي المدنيين العراقيين من الرجال والنساء والأطفال الأبرياء على مدى سنوات بعد انتهاء حرب الخليج. ولو كان قادة
يتحلون بالشهامة والفروسية من أمثال تشرشل وديجول وروزفلت
هم المسؤولون عن السياسة الغربية اليوم لما تصرفوا علي هذا النحو، ولما نقبوا عن ذرائع للعدوان واختلقوا ذرائع جديدة لمواصلة قتل العراقيين بالحرمان المتواصل من ضروريات الحياة التي يريدون شراءها بمواردهم الخاصة.
ومن الجدير بالذكر هنا أن تشرشل حين كان وزير دولة لشؤون المستعمرات بلغ من الحكمة حدا جعله يأخذ بمشورة لورانس العرب، وينصب فيصل بن الحسين ملكا على العراق، وعبد الله بن الحسين ملكا علي الأردن، واستعاد بذلك السلام إلي تلك المناطق المضطربة وغير الراضية. ولم تعامل ألمانيا وإيطاليا التي شنت حربا عالمية دامت ست سنوات، وأودت بحياة ما يزيد عن أربعين مليون، نفس بمثل تلك القسوة والدناءة التي يعامل بها العراق الآن.
وتطاول أمد الحرب العالمية الثانية، واتسع نطاقها. وانضمت إليها الولايات المتحدة، إلى جانب بريطانيا، بينما انحاز الإيطاليون واليابانيون إلي ألمانيا. ومن ليبيا هدد الإيطاليون والألمان مصر. ووصلت قواتهم إلي منطقة العلمين في طريقها إلي الإسكندرية. وكان الجنرال الألماني رومل قائدا شديد المراس. وبدا أن ما حدث في أوروبا سيتكرر في شمال إفريقيا. وهنا جاء الهجوم البريطاني المضاد بقيادة مونتجومري. واضطر الألمان والإيطاليون إلي التقهقر. وفي تلك اللحظة استمعنا إلي تشرشل يتحدث في الإذاعة دون أية تمهيدات، ويقول:
259
258