الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١٣٢"حديثي الليلة إلي الإيطاليين. أقول لكم بلغة
الدبلوماسيين، كلمات ملؤها الصراحة والاحترام: نحن فـ حرب. وهذه حقيقة محزنة ومؤلمة. فما كان يدور بخلد أحد حتى السنوات السوداء القليلة الأخيرة أن الشعبين البريطاني والإيطالي سيحاول كل منهما تدمير الآخر؟ لقد كنا أنصارا لغاريبالدي، ومن المعجبين بمازيني وكافور وبتلك الحركة العظيمة التي بها استنار القرن التاسع عشر، ووقفنا معا في خندق واحد في الحرب الأخيرة ضد البرابرة الهونيون. والآن تدور الحرب بيننا؟ ما الداعي إلي ذلك؟ أسألكم عن السبب.
وقد تسألون أنتم أيضا السؤال ذاته. سأجيبكم معشر الإيطاليين. إن ثمة شخص واحد لا غيره يقف ضد إرادة الملك والأسرة المالكة في إيطاليا، وضد البابا وكل ما للفاتيكان من سلطة، هو المسؤول عن وضع الأمناء وورثة روما القديمة في صف البربري الوثني المتوحش ويحاول طياروكم إلقاء قنابلهم علي لندن. وها هـ جيوشنتا تطحن امبراطوريتكم الإفريقية، وستواصل تمزيقها إلي أن تصير أشلاء، وعدما بعد عين. ونحن الآن في بداية هذه الحكاية الكئيبة. فمن ذا الذي يستطيع الجزم بما ستنتهى به هذه المواجهة؟
اقتطف هذا كله بعين كلمات تشرشل، وإن بشئ من التحوير، لأنني أنقلها من ذاكرتي. ولا أستطيع القطع بدرجة قربي من الكلمات التي نطق بها في تلك المناسبة. إلا إنني أود القول أنني حين سمعتها من أكثر من نصف قرن امتلأت نفسى بالإعجاب
بها. وغاصت تلك الكلمات أو زيدتها في عظامي، وسرت فيها
حتى النخاع. ووصف أحد الكتاب تشرشل في تلك الاونة بأنه "فريد عصره في فاعلية استخدامه للغة الإنجليزية". ومرد إعجابي الشديد بهذا الزعيم، أنه كان شديد الإيمان بنفسه وبقدرة شعبه علي التغلب علي كل الصعاب، وللقضية التى كرس حياته كلها لها ولننصت إليه وهو يقول في بعض ما خطته يداه "لا" أخشى جيشا من الأسود يقوده خروف. ولكن احترامي كله لجيش من الخراف يقوده
أسد ".
بالعودة إلى دراستي في أوغندا، لم يحالف التوفيق كلا من عثمان شريف وعلي خميس في الامتحان في العام الثاني من الدراسة في ماكيريري فلحقت بهما أنا وأحمد راشد. وبموجب ما حدث تعين على عثمان شريف التحول من دراسة الطب البشري، إلى الطب البيطري. أما علي خميس فقد انهارت، معنوياته إلي حد التفكير في الاتحاق ببرنامج تأهيل الشرطة في مدرسة أوغندا لتأهيل الشرطة، وهو برنامج أقصر في مدة إنجازه، وليس أكاديميا إلي حد بعيد. وكان على خميس أسن منا، ويعول أسرة ممتدة.
ولما أخفقت في إقناعه بأن يثبت ويواصل دراسته، فاتحت أستاذنا السابق المعلم هلال في هذا الأمر أثناء قضائنا أجازة في زنجبار، وطلبت منه أن يحث صديقي علي عدم فقدان الأمل. وأتذكر كما لو كان ذلك قد حدث اليوم، والمعلم هلال واقف أمام سينما منازيموجا، يتحدث بحماس مع علي خميس ليقنعه بالبقاء وإتمام برنامج الدراسات الزراعية الأطول، لما يتيحه له من فرص أفضل في المدى البعيد. وفي النهاية لان علي خميس. وقرر
261
260