الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١٣٤ولقاءات مطولة مع المزارعين لبيان الحاجة الماسة لإنتاج الغذاء. وغدوت عبر القيام بهذه المهمة عارفا بكل شبر من ريف زنجبار، وتلالها، ووديانها، وسهول أرزها، وشعبها المرجانية.
عرفت الأرض، وعرفت ما هو أهم وهو البشر. وحرصنا علـ الاقتصاد البالغ في استعمال السلطات الواسعة التي منحها لنا القانون، والاعتماد في تحقيق مرادنا، علي الإقناع والتعليم ومد يد العون، بالأساس.
ورغم أن الموقف كان بالغ الحرج فالحرب دائرة، ونحن شعب يعيش بجزيرة)، وهو وضع ربما يكون من المبرر فيه اللجوء إلي وسائل، قاسية، فإننا وعينا حقيقة أننا أخصائيون زراعيون، ولسنا نظار في عزبة، أو سائقي عبيد. فالحرب ظاهرة مؤقتة. والدائم هو نحن البشر، ولا بد من الحفاظ على العلاقات الطيبة بيننا في كل الظروف. ومن المهم التحلي في التعامل مع أي إنسان في زنجبار عامة، وفي ريفها بوجه خاص بحسن الخلق، والكياسة
والإقناع.
و كان من واجبنا، إلي جانب مهمة الإقناع هذه، تدريب المزارعين علي وسائل زراعية، أفضل وتزويدهم بمواد زراعية، محسنة، وتعليمهم كيفية استخدام الأسمدة وجنيت الثمار الطيبة لهذا الاتصال المباشر بأبناء الريف الزنجباري، حينما صرت بعد سنوات ناشطا سياسيا في مهمة بناء الحزب الوطني الزنجباري الذي قاد حركة الاستقلال.
ولم تتأسس شهرتي لدي أبناء الريف بالكامل، علي عمل كأخصائي بالإدارة الزراعية. بل الفضل في الترحاب الذي قوبلت به في آدائي لتلك المهمة يرجع إلي حد بعيد، إلي كوني ابن
الشيخ محسن بن علي، الذي هو من فحول العلوم الإسلامية ولكوني ابن خال وصهر الشيخ بدر محمد، ذي الصيت الذائع
والأواصر الاجتماعية المتينة في كل أرجاء الريف الزنجباري.
وكان أبناء شمال الجزيرة بخاصة يعتبرون بدر محمد أخا لهم. فلقد شارك بدر في السنوات الخوالي في أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين في تأسيس جمعية تعاونية لنقل الركاب تسمى: "الإتحاد الوطني"، وهي جمعية أنشأها أبناء الريف للتصدي للمغالاة في رسوم نقل الركاب التي فرضها مالكوا السيارات.
وتطورت تلك الجمعية بحيث صارت بمثابة جمعية للمساعدات المتبادلة تكاد تغطى كل جوانب حياة المشتركين فيها. وأذكر من بين قادة تلك الجمعية الشيخ فوم بن علي زميل ابن عمي في الدراسة، وأحد أعمام الشيخ حاجي محمد، الذي صار لاحقا زعيما سياسيا لواتومباتو. إلا أن تلك الجمعية ما لبثت أن تلاشت مثل كثير من المشروعات المماثلة التي تفتقر إلي الإدارة والخبرة المناسبة. ومع ذلك فإنها أرست بالقطع علاقة أخوة من نوعية دامت إلي أن تبلورت في تأسيس "الحزب الوطني ".
وكان الفاضل بدر المقيم في بوبوبو (الواقعة علي بعد أحد عشر كيلومترا من المدينة)، وفي منيمبي (الواقعة علي بعد أربع وعشرين كيلومترا)، قائدا لمجموعة معتبرة من الرجال، كانوا يخرجون مرة كل أسبوع لصيد الخنازير البرية بالرماح. وكان الريفيون يعدون ذلك رياضة محببة. والأهم أنها وسيلة لخفض عدد الخنازير التى تلحق أضرارا بالغة بالمحاصيل الزراعية.
نسان لفع
265
264