الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١٣٦وفي أول معرض فنون أقمناه في كامبالا تنبأ ناقد فني بجريدة
أوغندا هيرالد بمستقبل فني باهر لي حيث قال " إن محسن لا يزال في مقاعد الدراسة. وثمة مستقبل ينتظره في عالم الفنون" وهو ما ثبت لاحقا أنه كان من قبيل الأماني فلم تكن تلك النبوءة صادقة. ولم أمسك الفرشاة منذ تخرجي في ماكيريري.
وفي عام 1952، وبينما كنت أشارك في مؤتمر تربوي في كنجز كوليدج (الكلية الملكية بكامبريدج، ذكرني مسؤول إداري متقاعد كان يعمل فى أوغندا، آنذاك، بأنني أهديت إليه صورة زيتية لمصارعين في معرض الفنون سالف الذكر. وكانت تلك اللوحة الفنية منفذة علي صفحة جريدة، وألوانها ممزوجة من أوراق البطاطا المطلية باللونين الترابي والأزرق. أما الفرشاة فكانت مجرد عصا مسحوق أحد طرفيها. وكانت معلمتنا ترويل تحثنا علي محاولة استخدام مثل هذه الأدوات العادية المتاحة فى تعلم الفن، إذا عجزنا عن شراء أدوات أكثر تكلفة من المحلات. وحينما أعجب هذا المسؤول الإداري بلوحتي، سألني: بكم تبيعها
لي؟ فقلت له ببساطة: خذها" بلا مقابل. فهي لم تكلفني شيئا".
واليوم هائنذا أقابل ذلك المسؤول الإداري بعد مرور عشر سنوات فيد عوني لتناول الشأي بمنزله، فأجد تلك اللوحة الخاصة بالمصارعين الأوغنديين معلقة فى مكان بارز به وكأنها مرسومة لتوها تنبض بالحياة والحركة والتوازن. العضلات بارزة واللون الأخضر يلمع وزرقة السماء داكنة، كما هي علي الدوام في أفريقيا الاستوائية. قلت لصديقي: "لا أستطيع أن ارسم مثل هذه اللوحة الآن".
Mues Web
268
سألني عن سبب هجري للرسم. قلت: له بسسب انشغالي البالغ بالشؤون العامة". وإذا به يفحمني حين قابلني بعدها بقوله: طلب مني سير فيليب ميتشل الذي كان هو المحافظ الذي افتتح المعرض المشار إليه عام 1938، أو عام 1939) أن أقول لك أن تشرشل لا يزال يرسم". شعرت بالحرج، ولكن ليس إلي الدرجة التي تدفعني إلي استئناف مشواري مع الرسوم الزيتية. وكنت معجبا في طفولتي بالمرحوم محمد سليمان البرواني، أحد أولاد عمي. كان يكبرني بسنوات كثيرة. وكان موهوبا جمع بين مهنة النجارة والعزف على العود والرسم بالألوان المائية. ومنه
اكتسبت الذوق الفني حتى قبل دخولي الجامعة. كنت أنتشـ بمعزوفاته الفردية، ولكنني لم أحاول أبدا العزف بأي آلة موسيقية. أما ابن خالتي الآخر الذي أذكره في هذا المقام فهو سعيد محمد البرواني، عازف الكمان، والذي كان يقيم في المنزل المقابل
لمنزلنا.
وفي المساء وبعد العشاء كان كل من محمد سليمان البرواني وسعيد محمد البرواني يعزفان كل، بمنزله وهما لا يعلمان أن حشدا من المعجبين يجتمعون خارج المنزلين يستمتعان بالموسيقى من أفضل موسيقارين في زنجبار. وكان محمد سليمان يلقب بـ: القصبجي، علي اسم أفضل عازف عود، مصري، بينما كان سعيد البرواني يلقب باسم سامي الشوا عازف العود المصري الشهير
آنذاك.
ومات محمد سليمان متأثرا بمرض السل، الذي كانت له الصدارة في الفتك بأرواح البشر في أواخر الثلاثينات، وأوائل الأربعينيات من القرن العشرين، ولم يكن له علاج معروف، ولا إجراءات تذكر
269