الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١٥في مجتمع زنجبار قبل العهد الاستعماري وبين فيروسات الطائفية التي سعى المستعمر الغربي وإرسالياته التبشيرية إلى غرسها والتمكين لها في نسيج المكون الإنساني لذلك المجتمع، كانت قد أصابت ذلك النسيج بقابليات طائفية كامنة بالغة
الخطورة.
وينبه المؤلف هنا إلى أن الطائفية ليست غرسا أسطوريا وحسب، بل هي صناعة استعمارية كذلك. فالمستعمر سهر على تخليق فوارق مفتعلة بين البشر، وعلى تكريس الفروق الطائفية بسياسة فرق ثم وحد بين المتفرقين تسد. ويفتح أنظارنا هنا في التجربة الزنجبارية على قيام المستعمر الإنجليزي بعملية مأسسة للمجتمع والدولة على ركيزة طائفية من جهة، مشفوعة بالخلط بين السياسي والإجتماعي، بحيث تتقابل المصالح الفئوية الضيقة، ولا يصير هناك من يتحدث عن المصلحة القومية الجامعة ويمثلها.
وفي حين وجدت قوانين تحظر على الموظفين المدنيين الاشتغال بالسياسة، فإن المستعمر كان يغمض عينه عن تلك القوانين حين يصب العمل السياسي باتجاه تكريس الطائفية، ويقف له بالمرصاد حين يصب باتجاه القاسم الجامع المشترك بين أبناء الواحد. ومن بين أخطر الأساليب الاستعمارية في تخليق الطائفية فى الحالة الزنجبارية، التخويف من الحزب الوطنى احب برنامج الوحدة الوطنية والتسامح ومحاولة الإلتفاف على مسعاه لجمع كلمة الأمة، وللتنشئة على التقاء أبناء الأمة بكل أطيافها، على ما يتفقون عليه وعلى أن يعذر كل منهم الآخر فيما اختلفوا حوله وأهم آلية لجأ الاستعمار وأعوانه إليها لتحقيق ذلك هي اختلاق حزب طائفي هو الحزب الإفريقي الشيرازي
المتماهي معهم في التفكير بعقلية طائفية، وفي التشكيك في نوايا دعاة الوحدة الوطنية، وفي السهر على منع قيام حكومات وحدة وطنية، وفي اعتبار كل الوسائل مشروعة إبادة كل من يناهض
عنصريته.
ولعل ما ختم به المؤلف مذكراته هذه من تصورات لبناء فكر إسلامي صحيح والتنشئة عليه، يؤشر بدوره على تسليمه هو ومن ساروا على دربه بأن إعادة بناء الأمة لن تبدأ، إلا من دور التعليم ومن خلال عقول النشء.
أما الوسيلة الثانية التي استعان المستعمر بها في تكريس الطائفية، والمصادرة على الأوعية المؤسسية الجامعة، فهي المصالح المكتسبة للنخب المرتبطة بالإدارة الاستعمارية. ويسجل المؤلف هنا مفارقة كون العوام البسطاء من أبناء الشعب كانوا هم الأسرع لتلبية داعي الاستقلال والحرية والوحدة، في مقابل تقاعس السواد الأعظم من النخبة المثقفة التي تربت في أحضان الإدارة الاستعمارية، سواء في مقاعد الفصل الدراسي، أو في كراسي المناصب الإدارية، واجتهادها في البحث عن معاذير
لاتخاذ مواقف سلبية من الحركة الوطنية.
ووصل تحري العدالة في القول بالمؤلف هنا إلى حد إثباته أن عناصر من النخبة المثقفة قدمت الصالح العام لأمتها على مصالحها الخاصة، وخدمتها سرا عبر المواقع الوظيفية التي كانت تشغلها تارة، وعبر التضحية بتلك المناصب بالفعل تارة أخرى وأن فريقا من المستعمرين أنفسهم غلبت حاستهم الإنسانية والمهنية على حاستهم البيروقراطية والاستعمارية، وكانت لهم بصمتهم وعطاءهم المشكور في التربية والتعليم، وفي الزراعة
27
26