الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ١٤٣

توجيه رابطة الاتحاد العالمي للأمم المتحدة دعوة خاصة لجينجا لحضور تلك الحلقة، بمثابة مؤشر واضح للسلطات الاستعمارية علي أن تلك الحلقة ومنظميها ليسوا سوى أوكار من الثائرين.

ذلك أن جينجا كان يتصدر، فى منظور المستعمرين، قائمة المصنفين علي أنهم أشخاص "خطرين "يجب إخضاعهم للرقابة المستمرة. فلقد كان يدعو إلي الوطنية الزنجبارية ويغرس في عقول الشباب المبدأ الذي نحته زنجبار" للزنجباريين". ثم إنه كان معروفا بالدعوة علي صفحات جريدة المرشد إلي أيديولوجية "الأجر المتساوي للعمل المتساوي ". ومثل تلك الأفكار كانت من المحرمات في تلك الآونة التي عرفت السيادة المطلقة للبيض. ولم

يكن الغرب قد صك بعد أسطورة "الأصولية الإسلامية".

حالفني الحظ إلي أبعد حد بالذهاب إلي مقديشيو. وكان ذلك المنتدى هو ثاني منتدى دولي أشارك فيه. وفي مقديشيو انفتحت علي آفاق معرفية أوسع. فلقد كانت تلك الحلقة العلمية معقودة برعاية رابطة الاتحاد العالمي للأمم المتحدة، واليونسكو. وتعلمت من خلال المشاركة فيها كيفية عمل منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة مثل منظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأغذية والزراعة، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة والمنظمات التابعة الأخرى مثل: منظمة العمل الدولية، والرابطة

الدولية للضمان الاجتماعي

ولم تكن كل هذه المنظمات تعمل بالسياسة بحد ذاتها، ناهيك عن أن تعمل بالتخريب، أو معاداة الاستعمار. بل كان محط اهتمامها هو الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يجب علي بلدان العالم أن تعتني بها وتحسنها بمعاونة الأمم المتحدة ووكالاتها بصرف

النظر عن الوضعية السياسية لكل منها. فالفكرة الأم هي تكافل البشرية المتبادل عبر تلك المنظمات العالمية. ولم تكن الأمم المتحدة حتى عام 1953 قد صكت شعار تصفية الاستعمار"

بعد.

واستطعت في نهاية المطاف بالتعرف علي الدكتور ليو واليدمان الأمين العام للرابطة الدولية للضمان الاجتماعي، تأمين مشورة من منظمة العمل الدولية يقدمها لنا مستر باتيل الخبير الإستشاري، وأحد حواريي المهاتما غاندي سابقا، إلي زنجبار وبمشورته تلك أسسنا سلسلة من الصناعات المنزلية. وكان مطلبي الرئيس هو مشروع للضمان الاجتماعي يؤمن كل أبناء الوطن من المهد إلى اللحد. إلا أن مشورة ذلك الخبير بينت لنا أن اقتصادنا المتخلف لا يستطيع أن يتحمل تكلفة مثل هذا المشروع الطموح المماثل لما هو معمول به في أوروبا علي سبيل المثال. والبديل الممكن هو مشروع الصناعات المنزلية الذي يكفل التشغيل الكامل لكل اليد العاملة، ويمكن به للمسن والمرأة الحامل والمريض أن يعمل ويربح. وتأسيسا علي تلك النصيحة، حصلنا علي موافقة منظمة العمل الدولية، حينما تأسس ما يعرف بـ: "الحكومة المسؤولة" أي المرحلة السابقة علي الحكم الذاتي علي إمدادنا بمستر باتل الذي وضع لنا حجر الأساس لمشروع عملي، يتضمن إنشاء عدة صناعات منزلية تعتمد علي المواد الخام المحلية المتاحة. وكنا قبيل الإطاحة بحكومتنا، قد وافقنا علي المشروع، ورتبنا لأن يكون مستر باتيل نفسه هو أول مدير له يتولاه بضع سنين، إلي أن يتم تدريب زنجباري يخلفه في هذا المنصب. وبالإطاحة بنا دمر هذا

283

282