الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١٤٦كانوا سيتكبدون خسائر فادحة من جراء إبادة حيواناتهم المصابة. فلم يقدموا لهم تعويضا، ولم يعدوهم بتعويض. وربما لم يكن أمام المسؤولين فرصة تذكر، بسبب خبث الوباء وسرعة تفشيه لتوعية تالي المزارعين وتحصيل موافقتهم على تلك الإجراءات.
وكان المعلم زايد واحدا من الزعماء الذين اعتقلوا عام 1955 بتهمة إعاقة عملية تطعيم الحيوانات المشتبه في إصابتها، وإبادة الحيوانات المصابة. وحينما أصبح الموقف بالغ الخطورة، سعى باكنهام كبير المفوضين البريطانيين ورئيس الإدارة المؤقتة، لدى الشيخ عبد الله بن سليمان الحارثي رئيس الجمعية العربية الموقر، طالبا منه التدخل للتوصل إلي مصالحة مع المزارعين. وكان للشيخ شهرة واسعة في تسوية الخلافات أينما تنشب في
زنجبار.
وتصادف أن كنت في زيارة للشيخ عبد الله حين جاء باكنهام إليه بهذا الخصوص. وردا علي طلبه، قال له الشيخ عبد الله: "هذا بلدنا. وكل المشكلات التي تنشب تهمني شخصيا. ولكنكم أنتم تبذلون قصارى جهدكم في استبعادنا، إلي أن تخرج الأمور عن
السيطرة تماما. والآن ماذا عسانا نفعل طالما أنكم وضعتم هؤلاء المساكين في قفص الاتهام، وشرعتم في محاكمتهم؟ كان ينبغي أن لا تحاكموهم على الإطلاق؟ عرض عليه باكنهام أن يطلب من المحكمة تأجيل نظر القضية لإتاحة الفرصة للشيخ عبدالله
للتدخل والسعي إلي تسوية ودية.
وهنا وبناء علي هذا الاقتراح، كلفني الشيخ عبدالله بأن أذهب إلي المحكمة، وآتيه بالمتهمين بعد تأجيل نظر القضية. إلا أن شيئا مما اتفق عليه ثلاثتنا الشيخ عبد الله وباكنهام وأنا، لم يقدر له
أن يتم فمجرد وصولي إلي المحكمة صدمت بالقاضي ينطق بحكم إدانة المتهمين وحبسهم، فانطلقت الفوضى.
أحد
وحين زج بالمحكوم عليهم في سيارة شرطة مقفلة لنقلهم إلي السجن المركزي هتف الجمهور المحتشد "الله أكبر، الجهاد" وهاجموا سيارة الشرطة بالعصي. لم أستطع الخروج من مبنى المحكمة بسبب إيصاد أبوابه، ولكنى تابعت المشهد من النوافذ. وتتبع الحشد عربة الشرطة حتى مبنى السجن، وحاولوا اقتحامه لتحرير إخوانهم المزارعين المسجونين. وردت الشرطة بإطلاق النار فقتلت بعضهم.
ووضع هذا الحدث المعلم زايد في الحلقة الثانية من المواجهة المفتوحة بينه وبين الحكومة الاستعمارية. أما الحلقة الأولي فكانت قبل سبعة أعوام، وبالأحرى في عام 1948 حينما تطور إضراب عمال الشحن البحري إلي إضراب عام. وكانت جريدة "المرشد" هي الصحيفة الوحيدة التي اتخذت موقفا راديكاليا مؤازرا للعمال المضربين. فحتى صحيفة أفريكا كويتو، الناطقة باسم الجمعية الإفريقية العرقية التوجه، انتقدت المضربين. بدأ ذاك الصراع بخلاف بين عمال الشحن والتفريغ والشركة التي يعملون بها وهي شركة أفريكا ورفيج البريطانية (شركة خدمات الشحن والتفريغ البريطانية). وبات الوضع حرجا. وتم تعيين لجنة مصالحة ضمت كبير القضاة جون جراي ومولتيري كبير مسؤولي الضمان الاجتماعي، وكاتب هذه السطور.
وما لم أكن أعلمه آنذاك أن المعلم زايد نظم عملية جمع المواد الغذائية من الريف لتقديم الطعام للمضربين في ميمبيني. ولأول
289
288