الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١٤٩وينبغي تسجيل أننا حصلنا علي التعاون الكامل آنذاك من القادة الأفارقة في زنجبار، سواء فيما نشرته صحيفتهم أفريكاكويتو، أو في خطبهم في مؤتمراتهم الشعبية. وتبين لنا في ذلك الإحصاء السكاني أن قبائل أصلية معينة مثل واتومباتو والشيرازي فضلوا وصف أنفسهم بلفظ: " شيرازي "، لعدم رغبتهم في تضمينهم تحت مسمى: " أفارقة".
C
وأربك ذلك هيئة الإحصاء السكاني، فلجأت إلي حل وسط، بتجميع كل من هم، وابمبا، واتومباتو واهاديمو، والعرب بما فيهم المنحدرين من جنس عربي إفريقي مختلط، وأفارقة البر الإفريقي وجزر القمر، تحت مسمى: "العرب الأفارقة".
وكان صاحب الفضل والنموذج الذي سار الجميع علي خطاه في هذا الصدد هو رمضان مدافو. والسبب في تسميته بلقب مودافو أن بيع ماء جوز الهند كان هو مصدر رزقه، قبل الاستقلال، وبعده، وبعد الإطاحة بحكومتنا التي ساهم في
تأسيسها. ونجح الحزب الوطني بفضل رجال من أمثاله، ف التخلص من الاعتراف الرسمي بالتصنيف العرقي في زنجبار، في وقت لم يكن لنا فيه أي سلطة.
وبعد ست سنوات، وفي عام 1964، حين نقل بعضنا بعد الإطاحة بحكومتنا إلى سجن نيريري في دار السلام ارتعدت فرائصنا حين سئل كل منا عن عرقه وقبيلته لدى تسجيلنا كنزلاء بالسجن. ومرت دقيقة كاملة والشيخ إبون صالح في ذهول مطبق غير قادر علي فهم معنى السؤال. فلم يكن ليستطيع أن يفهم كيف أن تنجانيقا التي كانت تحت وصاية الأمم المتحدة وحصلت علي استقلالها قبل حصول زنجبار عليه بثلاث سنوات، لاتزال
تستخدم الصيغة الاستعمارية التي تفرق البشر إلي أعراق
وقبائل.
وكان رمضان مدافو واحدا من أوائل من أتوا لزيارتي بعد الإطاحة بحكومتنا والزج بي في السجن. جاء برفقة أمي وزوجي وأمها. تصاغرت نفسي أمام صنيعه هذا. ففى ذلك الظرف الخاص، وفور المذابح الجماعية وسجن ألوف الأبرياء، والدماء تقطر علي أيدي السفاحين بلا، توقف امتلك رمضان الذي لا تربطني به قرابة دم ولا، نسب الشهامة والشجاعة، انطلاقا من حبه لى، ولما ناضلت من أجله، وجاء يتحدى ويجلب علي نفسه غضب الغاصبين بزيارته لي في السجن جهارا نهارا برفقة أقرب أقاربي. شكرت الله تعالى أن وهبنا رجالا من أمثاله يدافعون عن قضيتنا. وقارنت بين نفسي ونابليون حين عاد مهزوما من روسيا، بينما كان لا يزال هو امبراطور فرنسا، وهو بقصره يطلب من خادمه الخاص أن يحضر له بعض الماء للحلاقة، فلم يجب طلبه أحد. تخلي الكل عنه بما فيهم قرينته عندها سجدت لله شاكرا.
ولقد تعمدت اختيار المعلم زايد ورمضان مدافو كمثالين في هذا المقام من بين هامات عالية كثيرة تأسس الحزب الوطني الزنجباري علي أيديهم هؤلاء الرجال من الأرستوقراطين والعوام، من الأثرياء والفقراء من المثقفين والبسطاء كانوا هم نواة الحركة الوطنية بصرف النظر عن لونهم وعن البلد الذي جاء منه جدودهم. لم ينضموا إلي الحركة الوطنية علي أمل الوصول إلي مناصب، أو لتحصيل مكسب، مادي، كما يفعل من يسمون أنفسهم "الأرستقراط" أو "التقدميين" الذين يغيرون جلدهم،
295
294