الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ١٦

وفي بناء شبكة الطرق، وفي إقامة العدل بين المزارعين والتجار في زنجبار قبل النكبة.

ومن داء الطائفية ينتقل بنا المؤلف إلى المفصل الثاني على هذا الخيط الفكري، متمثلا في ظاهرة غريزية يلتتقي فيها البشر مع الحيوانات تتعلق باستئساد العناصر القوية على الضعيفة. ويبين لنا أن الأمم تتداول هذه الوضعية حسب قوتها وضعفها، وأن اليهود عانوا طويلا من داء استهداف قوى الغرب لهم واستضعافهم حتى عهد قريب، قبل أن يتخذ الغرب بالتعاون الوثيق معهم من المسلمين هدفا لهذا الاستضعاف والتشويه

حاليا.

فوضعية تكالب الأمم الراهنة على أمتنا الإسلامية كما تتكالب الأكلة على قصعتها ليست بالحالة الفريدة، ولا هي بالحالة التي لا فكاك منها للأمة التي تقع فيها، فيما لو أخذ بأسباب التعافي منها، واستلهمت أسباب وسنن النهوض الحضاري، واستعادة

المكانة والعزة.

ومن قلب تلك الظاهرة تنتقل بنا الدراسة إلى المفصل الثالث على هذا الخيط الفكري الناظم لها الرابط بين استهداف الغرب للمسلمين وبين مسعاه لردهم عن دينهم ويطرح المؤلف في هذا السياق سؤاله المهم: لماذا إصرار الغرب على استهداف المسلمين وعلى تلمس كل السبل المؤدية إلى استضعافهم؟ والإجابة العميقة التي يقدمها، هي أن المسلمين أمة أبت الارتداد عن دينها، واستعصت على الاستعمار، وتمسكت بعزتها. والغرب يأبى التسليم لهم بذلك. وسلاحه في مواجهة فاعلية روح تلك الأمة وإمكانية استعادتها فاعلية شعار

واإسلاماه)، في مواجهة تسلطه واستئساده هو: إزاحتها عن ثوابت دينها بالعلمنة. وإن أخفق مسعى العلمنة في تشكيكهم في دينهم، فلا مناص من إبادتهم بكل السبل الناعمة والخشنة. وعطاء الدراسة في هذا المفصل الحيوي غزير وعميق. .. فأمتنا أمام مسعى غربي لصناعة مئات الوثائق الدولية المسماة بعهود ومواثيق حقوق الإنسان. وتظل تلك المواثيق حبرا على ورق منقطعة الصلة بواقع الحقوق المتبادلة بين الأعراق داخل الدول وبين الشعوب والأمم، فضلا عن عملية التسلل تحت عناوين مراوغة تتعلق بالتمكين للمرأة والطفل والمجتمع المدني، للنخر في

كيان الأمة وابتزازها.

ويرافق هذا الخطاب الغربي المراوغ الذي يتناقض في ظله قول الغرب مع فعله، تصديره لوهم أنه فصل بين الدين والدولة مع دعوتنا إلى تقليده ومحاولة إيهامنا بأن سر تخلفنا المادي عنه ليس هو نهبه لخيراتنا وعبثه بعقولنا وبمنظومة قيمنا وأعرافنا، وإنما عدم محاكاته في دعواه تلك، بالمفاصلة بين ديننا الإسلامي والدولة والشأن العام. ويبرهن المؤلف بعشرات الحجج والمؤشرات على أن الغرب كاذب في دعوى الفصل بين الدين والدولة، فضلا عن عدم وجود وجه يذكر للشبه بين الكنيسة التي ثار عليها الغرب، وبين واقع المسجد الجامع في العالم الإسلامي ويربط المؤلف بين العلمانية، والسعي إلى تشويش رؤية المسلم لدينه وتيسير تنصيره من جهة، ويقارن من جهة أخرى بين مضامين التساهل بل التشجيع الغربي للرموز المسيحية واليهودية

29

28