الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١٧مع الاستهداف البالغ للرموز الإسلامية حتى شديدة الشبه بها. ويختم هذه المعالجة بنص بيان مسيحي إسلامي صاغه هو ومجموعة من المفكرين المسيحيين منذ أربعة وثلاثين عاما. ولا يزال هذا البيان قابعا مع ألوف من الوثائق في أضابير عالمنا الذي بات يعاني من تخمة الوثائق، ومن جفاف الإنسانية وغياب أي أثر لها في أرض الواقع. ومن موجبات الشعور بالغصة والمرارة أن المؤلف رحمه الله لا يدعو الغرب فحسب إلى تفعيل ذلك البيان، بل يدعو قادة بلادنا في عصر ما بعد الاستقلال إلى تمثل مضامينه، في ترتيب العلاقة بين أبناء شعوبهم، وبين دولهم ومجتمعاتهم.
:
ويختتم المؤلف هذه النقطة المفصلية، بإضاءة معرفية مهمة عن مصادرة المستعمر، ثم السياسات القومية الضيقة من بعده على منابع تاريخية مهمة للوئام ونبذ الصراع، تشمل: الوصال والتعارف بين الشعوب والأمم المتحقق منذ قرون عبر الرياح الموسمية، وعبر ظواهر الشيخ المدرسة والحلقات الدراسية المتراتبة والمتشابكة، ومجتمع التعليم الحر المستدام، ومؤسسة الوقف الأهلي والخيري والإحسان والاحتساب العلمي والتنافس بين التربويين في صناعة العقول، قبل الإصابة بداء التعليم من أجل الإسترزاق، وحبس المعرفة بدعوى حقوق الملكية الفكرية الوافد من الغرب.
أما المفصل الرابع على هذا الخيط الفكري الناظم، فيتعلق باستهداف الغرب والإرساليات الغربية للغة السواحيلية، بغية فك ارتباطها الوثيق باللغة العربية وبالإسلام. فاللغة السواحيلية كانت قناة وصل بين لغات البانتو والعربية، ومن ثم بين الشعوب
الناطقة بها، والإسلام، وكانت تكتب بأبجدية عربية، ويزيد عدد المفردات العربية الأصل في قاموسها عن النصف.
وتبين الدراسة كيف شكك المستعمر والمبشر المسيحي في وجود الإنسان السواحيلي نفسه. وكما تكالب المستعمر على إفريقيا وقسمها بين قواه الاستعمارية بحجة أنها أرض بلا مالك يحق له غزوها، غزا اللغة السواحيلية من مدخل مزيف قائم على التعامل مع تلك اللغة على أنها بلا، صاحب ونقل أبجديتها إلى اللاتينية وغير قاموسها ونطقها بالاستعانة بأناس وافدين إليها ليست هي لسانهم الأم، علمهم إياها على النحو الشائه الذي اختلقه بصفة لغة ثانية، ثم نصبهم مرجعية لها، وربط المناصب الحكومية بتعلمها على تلك الطريقة الجديدة، وحول العارفين بها على أصولها الأولى بذلك، إلى أميين وعاطلين بين عشية وضحاها. واستعان بوسائل الإعلام الجماهيرية في محو ما تبقى من روح اللغة الأصلية، وفي التمكين للغة الجديدة المنزوعة الروح المبتوتة الصلة بالعروبة والإسلام. ولم يعد ينطق بتلك اللغة على أصولها الأولى غير قلة تعلمت في مدارس غير علمانية.
وفي إجابتها عن السبب في صنيع المستعمر هذا باللغة السواحيلية دون غيرها من اللغات واللهجات الإفريقية، تقدم هذه الدراسة حجة ثلاثية الروافد ارتباطها بالإسلام، وثراؤها وانفتاحها بحكم انتشار الناطقين بها على آفاق تمتد من قلب إفريقيا إلى الهند، وتعبيرها عن أمة متحضرة عريقة ذات تاريخ على نحو لم يكن له نظير في البر الإفريقي، وبدرجة أذهلت المستعمر في بداية احتكاكه بإفريقيا وتكالبه على استعمارها
31
30