الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ١٦٢

وعرفني فتحي صبري، في ثاني زيارة لي للقاهرة عام 1958 علي الدكتور عبده سلام. ونجح هذان الرجلان بعد جهد جهيد في اختراق أسوار البيروقراطية المصرية ومكنناني من مقابلة رأس السلطة في مصر. كان فتحي صديقا للرائد محمد فايق مستشار، الرئيس عبد الناصر للشؤون الإفريقية، ومحل ثقته. وكان فايق ضابطا بالمخابرات العسكرية، وله إسهامه الجليل في النضال

ضد الاحتلال البريطاني.

وعبر محمد فايق تعرفت علي اثنين من أصدقائه الجديرين بالثقة: حلمي، شعراوي وبهجت دسوقي، اللذان بذلا بمعاونة أصدقاء آخرين كل ما في وسعهما لتأمين حياة مريحة لأسرتي بعد أن أصبحت لاجئة في القاهرة اعتبارا من عام 1964 فصاعدا. وكلاهما كانا يعملان تحت رئاسة محمد فايق

وتواصلت عبر أحمد رشاد، وسليمان، مالك ومبارك خلفان مع الجمعية الإفريقية في القاهرة ومكاتب التحرير التابعة لها في الزمالك. وفيها تأسست الصداقة بيني وبين المرحوم الدكتور عبد العزيز إسحاق. مستشار الشؤون الإفريقية بوزارة الخارجية المصرية. ويرجع الفضل إلي هذا الرجل في إنقاذ أسرة باتريس لومومببا من موت محقق. فحينما شعر ذلك الزعيم الكونغولي أن حياته في خطر، طلب من الدكتور إسحاق إخراج زوجته وأطفاله من كونغو. وبذا أنقذهم من المصير الذي حل بلومومبا بعد ذلك

بأمد يسير.

وثابرت أنا وأحمد رشاد علي ملاحقة الدكتور عبده سلام بمكتبه إلي حد دفعه ذات يوم إلي اتخاذ قرار بأن يعيرنا كامل اهتمامه. وقرر بدلا من الاجتماع في المكتب حيث كنا عرضة للمقاطعة

باستمرار، أن نلتقي في الزمالك بحديقة منزله المطلة علي النيل

في الخامسة مساء. وتحادثنا، أو بالأحرى تحدثت، وأنصت هو. ولم أدرك إلا بعد أن قضي الأمر أنني تحدثت ست ساعات بمفردي، وأن الساعة بلغت الحادية عشرة مساء حين أذن لنا مضيفنا الصبور بالإنصراف. مسكين، لقد أرهقته ولكنه تحملني بلا كلل. فلقد كنت بحق قد شعرت بالإحباط بعد أربعة أشهر من مواعيد المقابلات التي لا تحصى والعقيمة مع مسؤولين من رتب مختلفة، ومن كتابة التماسات ومذكرات مكررة عديدة. وكل ما أنا بحاجة إليه وجئت من أجله هو معونة في مجال التربية والتعليم، ولا شئ آخر. قلت للدكتور عبده سلام لو كانت حياتي في خطر، ما قبلت إذلال نفسي علي هذا النحو. ولكنني أقوم بكل هذا من أجل بلدي

وشعبي ". وحين قلت ذلك رد الدكتور سلام: "لا" أظن أبدا أنك تجشمت كل هذا التعب من أجل نفسك، أو حتى من أجل بلدك. أنت تفعل ذلك من أجلنا. فأنت تساعد مصر علي أن تدرك ذاتها. وأنت تساعد مصر علي الوفاء بما عليها من مسؤوليات لا فكاك منها. وإنني مصر علي أن تواصل مسعاك. ونحن بلد، متخلف، ولكننا أحسن حالا بالمقارنة ببلدكم. ومن واجبنا بالتالي، أن نساعدكم بغاية ما في وسعنا. ومن واجبك أن تذكرنا بواجبنا. ويؤسفني أن أقول أن رجلا واحدا فقط في هذا البلد هو الذي يقدر مسؤولية مصر تجاه إشقائها العرب والأفارقة حق قدرها ذاك الرجل هو جمال عبد الناصر. وهو الرجل الذي لابد أن تقابله، وأعدك أنك

321

320