الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١٨وبحثت الإرساليات التبشيرية والمستعمر عن حل معضلة تلك اللغة. وتبين لهما صعوبة إزالتها من الوجود وهي بهذا التمكن فاستعاضا عن ذلك بإزاحتها عن وظيفتها وتوظيفها في عكس اتجاهها الأول بالتلاعب بها وتبديلها. وفي القلب من هذه العملية برمتها يقبع القصد الغربي إلى التشكيك فى الهوية السواحيلية الإسلامية وإزالتها من الوعي الإفريقي.
ومرة أخرى تضعنا الدراسة أمام سؤال هام ما السر في مركزية زنجبار في المخطط الاستعماري الرامي إلى فك الارتباط بين الإسلام والدولة، وكذا فك الارتباط بين اللغة السواحيلية وكل من اللغة العربية والإسلام؟ الإجابة أن زنجبار كانت نقطة مستعصية على عملية فك الارتباط بين العروبة والإسلام من جهة، وشرق إفريقيا من جهة أخرى. وكان كسر حلقتها هو مفتاح قلب حركة التاريخ في هذا الإتجاه.
والسر في ذلك أنها كانت هي الأسبق في منطقة شرق إفريقيا، في إلغاء الرق ومناهضته، وفى الحرص على الحرية الدينية وعلى حق الدعوة إليها، وفي التخلص من سيطرة الاستعمار والإرساليات التبشيرية على المؤسسات التعليمية وعلى الخدمات الصحية. وعرفت زنجبار قبل غيرها تأسيس تعليم علماني مجاني للبنين والبنات مع ربطه بفصول القرآن، وتعميم الخدمة الصحية
المجانية.
وعلاوة على ذلك، فإن حقيقة كون أكثر من 90% من سكانها مسلمين وما عرفته من تقاليد مستقرة لرعاية مشاعر الأقليات مهما كانت ضآلة حجمها في نسيج المجتمع، لم تترك مجالا للمستعمر للتمييز في مجالي التعليم والخدمة الصحية على أساس
ديني طائفي، ولا للفصل بين التعليم العلماني والديني. وظل البعد الإسلامي هو الجامع بين كل فئات شعبها.
ونأتي هنا للمفصل الخامس على هذا الخيط الفكري الناظم متمثلا في النكبة التي حلت بمجتمعاتنا في عصر ما يسمى: الاستقلال وما بعد الاستعمار التقليدي، من جراء الإصابة بفيروس الاشتراكية المولود في الغرب بالصراع، والناذر نفسه للصراع، والمناهض لفطرة الإنسان بمعاداة الدين والأسرة والملكية الخاصة، والرامي وفق مثاليته إلى العودة بالبشرية إلى حالة ما
قبل الدولة.
وهنا نجد أنفسنا أمام طرح فكري معرفي بالغ العمق لإشكالية التلاعب بالمفاهيم بمصادرة الممتلكات والتغول على كل الحرمات تحت مسمى التأميم. ومن رحم هذا الإجراء الذي في ظاهره الرحمة ومن قبله أبشع العذاب عانت مجتمعاتنا ولا تزال من أزمة شرعية ومن تناقضات مركبة، فيما يتعلق بمرجعية التعامل مع الأنفس والأموال والأعراض. وعمت آفة أكل أموال الناس بالباطل الجميع إلا من رحم ربي وتكرست حالة البلادة الضميرية تارة، وحالة المحاكاة فى أكل مال الغير بالحيلة والأساليب المخادعة، وبالقوة والإكراه السافرين على مستوى كل انساق المجتمع.
واستشرى الفساد في كل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية. وغاصت الأنظمة الحاكمة في دولنا القومية في وحل الإكراه تارة وفى مخاضات الحلول الجزئية المراوغة التي تستعيض بوعد التعويض عن رد المظالم إلى أهلها ومرة أخرى يعري المؤلف دعوى التعويض، ويبين أنها أشد فتكا بالأمة من المصادرة ذاتها.
33
32