الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ١٧٨

وبتعبير آخر، أنه لم يتم استيطان مناطق الأحراش وتعميرها إلا بعد طرد البرتغاليين. فقط في جنوب الجزيرة وغربها وشمالها توجد آثار تدل علي سكنى البشر فيها من عشرة قرون. نذكر من ذلك علي سبيل المثال انجوجا أكو التي يشير اسمها ذاته إلى أنها كانت العاصمة، في وقت ما، وكيزمكازي التي يوجد بها مسجد قديم عليه نقوش تبين أنه كان جزءا من محلة كانت قائمة منذ أكثر من تسعمائة سنة.

وأكثر تلك الآثار إبهارا أطلال مدينة بجزيرة تومباتو في مكان يسمى ماكوتاني. ومن المحتمل أن تكون هي المدينة التي بناها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (26 - 86 هـ -646 - 705 م). أما الدليل الحي علي أن هؤلاء المستوطنين الأوائل منحدرون من أصول منبتها في الخليج وبقية جزيرة العرب، فهي ماثلة لكل ذي

عينين تبصران.

فالوابيمبا والواهديمو والواتومباتو هم المنحدرون من تلك الأصول، وهم الآن مخلطون يجري في عروقهم دم بانتوي من البـ الإفريقي. ومن بين هؤلاء بعض أفراد احتفظوا بسلسة نسبهم إلي أولئك الجدود فى ذاك الماضي البعيد.

وقد يعجب المرء لسر تفضيل هؤلاء المستوطنين تلك المناطق الأقل خصوبة في الظاهر علي مناطق الأدغال الأكثر إغراء. ولنتفهم منطق ذلك، علينا أن نتذكر أن المهاجرين جاءوا من بلدان مجدبة أكثر من أي مكان وجدوه في زنجبار. فلقد جاءوا من بلد شبه صحراوي. وكانت مناطق الشعب المرجانية والأحراش المتوسطة الكثافة الزنجبارية أكثر شبها بالمناطق التي اعتادوا العيش فيها، بالقياس بمناطق الأدغال الكثيفة. ولم تكن

الزراعة بتلك المناطق تحتاج لأكثر من إزالة ما بها من شجيرات وحرقها لتخصيب التربة ببقايا ما بها من بوتاسيوم، ثم استخدام وتد مدبب أو محراث تجره الأبقار في حرث الأرض وبذر البذور. وبهذه الطريقة يحصل المزارع علي كمية وفيرة من الذرة العويجة والخن، والحبوب بشتى أنواعها، وبالأخص البطاطا واللوبيا الهندية. وأمام القاطن في مثل تلك المناطق البحر بما يحتويه من خيرات وفيرة من الأسماك وغيرها من المطعومات البحرية، والرخويات البحرية والربيان والكركدن، والأخطبوط، تماما كما

هو الحال في مياه الخليج وجنوب جزيرة العرب. وفي تلك الأحراش كميات وفيرة من الظباء والدجاج الحبشي يمكن صيدها بذات الشباك التي تستخدم في صيد الأسماك. أما مناطق البر المتاخمة لتلك الصخور المرجانية فتشمل سهولا فسيحة من شيجو وأوبنجا تمتد بطول الجزيرة كلها علي وجه التقريب. وكانت هناك ولا تزال مناطق لزراعة الأرز لسكان المناطق المرجانية. الشيرازيين والتحجير والجير من الصناعات التقليدية في تلك المنطقة. وحتى عهد قريب كانت سواري أخشاب

المنجروف تصدر من منطقة تشراوي إلى الجزيرة العربية.

أما مناطق الغابات الكثيفة من زنجبار التي تعج بالبعوض وتعلو فيها درجة رطوبة الجو، فقد دفعت أولئك الرجال المتعودين علي ظروف الصحراء شبه المفتوحة إلى تجنب العيش فيها. فقط قد يغامرون من أن إلي آخر بدخولها للحصول علي أخشاب لصنع القوارب الصغيرة، والمراكب الشراعية، والأبواب. ولكن لا إقامة دائمة هناك، تماما كما أنه لا إقامة دائمة في سهول الأرز. فكلا

353

352