الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ١٩

الأمة،

وفي ربطه الرصين بين رد المظالم واستعادة روح الأم وبالأخص بين استعادة الممتلكات المصادرة والوقف كشرط للسير بالأمة من جديد على طريق الإصلاح الحقيقي، يسمي المؤلف الأشياء بمسمياتها. فالتأميم: سرقة جماعية للممتلكات. والتعويض محاولة لإضفاء المشروعية على تلك السرقة، وهو بالتالي جريمة أبشع. وأزمة إفريقيا ليست قصورا في الموارد الطبيعية. فثرواتها عند التدقيق أكبر من ثروات البلدان العربية البترولية. والغائب الوحيد الذي لا قوام لكل تلك الثروات الظاهر منها والكامن، إلا به هو منظومة القيم الأخلاقية، والتحرر معها وبها من التردي في أتون الانتهازية السياسية الرخيصة.

وينتقل بنا المؤلف بهذه المناسبة إلى حمى التحصين وتقوية جهاز المناعة الحضارية ضد الأوهام المتراكمة التي تستهدف عقولنا في عصر الناظم القومي والعرقي والعنصري للدول وصناعة بيوت العنكبوت التي تلبس الحق بالباطل، وترمي إلى تشويه كل ما له صلة بالإسلام مؤسسة وأشخاصا وأفكارا.

وتتصدر الأوهام التي تدعونا الدراسة إلى التحرر منها أساطير الطائفية وعالم الأشباح والسحرة الذي باتت تسكن عقول النشء. ومن بين الأساطير التي يعريها المؤلف: هنا: تفضيل النظام الجمهوري على النظام الملكي بإطلاق، وكأن العبرة ليست بالمضمون والمعايير، وكأننا أمام وهم تقدم لخطي، كل فكرة جديدة في ظلها جيدة لمجرد كونها جديدة وكل فكرة قديمة رديئة ومتخلفة لمجرد كونها. قديمة. ولا أساس من العدل الفكري في تلك الرؤية التي تهدر ثروة البشرية من الخبرة التاريخية، لصالح أفكار مستحدثة لم تختبر جيدا بعد

فالقديم ليس طالح كله ولا الجديد صالح كله. والتدمير لذات التدمير مفسدة للعمران والشعوب بلا رأس حاكم، وبلا أنساق للرعاية المتبادلة، وبلا، ملكية، تغدو مضيعة وسهلة القياد. والتجارب الثورية الاشتراكية التي قامت على العبث بنظام الملكية الخاصة والعامة وبمعايير الأمة وثوابت قيمها وتقاليدها، أصابت الشعوب بالعقم. وهي أقرب ما تكون بفعلها بالشعوب التي ابتليت بها بفعل واحد من اثنين من يخصي الثور، فيجعله أقدر على جر المحراث أو العربة وعاجز في الوقت نفسه عن التكاثر، أو النسر الذي يقتات على جثث ضحاياه، فيموت، وتأكله هو نفسه، الديدان والنمل.

أما الوهم الثاني الذي تدعونا الدراسة إلى التحرر منه في ضوء خبرة زنجبار في لحظة التحضير للإستقلال فهو: الحلول الوافدة من الخارج. ويبين المؤلف في هذا الصدد، أن الحلول التي طرحها الخبراء الإنجليز - دولة الاحتلال - وكذا التي طرحها خبراء الأمم المتحدة، لمشكلة تفتت الحيازات الزراعية في زنجبار على نحو لا يتمشى مع متطلبات الزراعة الحديثة والسوق، صبت في اتجاه: تأبيد التبعية للغرب، وإغراق الدولة في الدين الخارجي، والتمكين لأنظمة الحكم من تحقيق تغول الدولة على المجتمع.

وبعد أن يفند المؤلف عورات تلك الحلول الوافدة التي تخفي أجندات مقدميها، يطرح بتواضع جم بدائل ثلاثة نابعة ويوصي باختبارها أولا، ثم الاختيار من بينها في ضوء ملائمتها وجدواها الحضارية والاقتصادية

مات السيلة

35

34