الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١٨٣بل لم يحاول أي سيد، حتى في عصر الرق، إكراه أو إغراء أحد من أولئك الذين هم تحت يده من إخوانه وأخواته الخاضعين لنفوذه علي اتباع مذهبه. وفي تلك الأيام الخوالي، كان أحد جدودي يطور منطقة ميناء ليندي الواقع جنوب تنجانيقا لأغراض الاستيطان والتجارة، وقام بإزالة ما بالمنطقة من أحراش وتخليص المستنقعات المجاورة لها من أشجار القرم. وحينما أبدى أناس من قبيلة ماكوندي التي تقطن المناطق المتاخمة لذلك المكان ميلهم للدخول في الإسلام، ذهب هو وكان أباضيا، إلي الشيخ عمر اسطنبولي ليأتي به من ماليندي بكينيا، ليعلمهم أحكام الإسلام. ولم يحدث أبدا أن حرص جدودي علي إسناد مثل تلك المهمة إلي شيخ أباضي. وكان بوسع جدي أن يستقدم شيخا أباضيا من زنجبار أو حتى من عمان وينشر الإباضية. ولكن الأمر الحيوي بالنسبة له لم يكن هو طائفته، بل دينه. فالإسلام ضد الطائفية.
وفي ذلك يأمرنا ربنا سبحانه وتعالي في سورة آل عمران:
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلي شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103} وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلي الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿104﴾ (آل عمران (104103
ومقتضى الدعوة إلي الخير "هو: دعوة البشرية لأن تكون بمثابة النفس الواحدة، لا أن ننقسم شيعا، وجماعات، تفرق بين الأخ وأخيه، ولا أن يسب بعضنا بعضا، ونكيل الاتهامات لبعضنا
البعض. إنها دعوة لنا جميعا للإعتصام بحبل الله تعالي. ومقتضى "النهي عن المنكر" هو: تحريم كل ما ينال من الأخوة والعلاقات الاجتماعية الطيبة والتفاهم المشترك بين الإنسان
وأخيه الإنسان.
وليس الإسلام بالديانة الجديدة. بل هو الدين الجامع لصحيح كافة الأديان المنزلة من عند الله تعالي كيما تتوحد به البشرية جمعاء. ويحرم الإسلام حتى مجرد سب عبدة الأوثان، خشية أن يدفعهم ذلك، بجهالة منهم إلي سب الله تعالي. فلنقرأ قول الله
تعالي: " وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُوا اللهَ عَدْواً
بغَيْر عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأنعام: 108.) واليوم نرى بعض المسلمين يسب بعضهم أئمة البعض الآخر، بل يسبون أصحاب النبي رضي الله عنهم وأرضاهم. ونرى شيوخا يسب بعضهم بعضا والأئمة والصحابة يشتمون. وليس هذا من الإسلام في شئ.
فلنتدبر آيات الذكر الحكيم، ونقرأه كما لوكان قد تنزل علينا، وننعم النظر في معانيه، وهو في سورة آل عمران يأمرنا بحزم أن:
"وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿105﴾ يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿106﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿107﴾ تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ (108). آل عمران (108105
363
362