الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ١٨٦

3

وشعر السيد خليفة بن حارب سلطان زنجبار الأباضي، كما أحس أسلافه من قبل بالحاجة الماسة لمد يد العون للمسلمين كافة بصرف النظر عن طوائفهم. وكان مبارك بن علي الهنائي وخميس بن محمد، مطافي، سنيين والمستفيد الأكبر من هذا المشروع هم السنيون بالطبع. ومع ذلك، فإن هذين الفاضلين لم يدر بخلدهما أنهم يساعدان طائفة إسلامية بعينها، سنية كانت أم أباضية، أم إثنا عشرية، أم، بهرية، أم اسماعيلية. بل قدما ما جادت به نفسيهما في سبيل الله تعالي مساعدة للمسلمين أيا كان توجههم الديني. وهذا هو الإسلام.

فماذا دهانا الآن؟ نحن الذين كنا شعبا واحدا بغض النظر عن تعدد الفرق المذهبية. وكنا لا نعرف التمييز فيما بيننا على أسس طائفية، وكل منا يحترم الآخر، ويمد له يد العون، ونتواصل في أعيادنا وأتراحنا وفي أفراحنا وجنائزنا، وفي الاحتفال بالمولد النبوي وفي المآتم. فكيف بنا ننخرط اليوم في مشاجرات طائفية حول أمور لا طائل وراءها؟ إن كل تلك الانقسامات هي مجرد تصورات لقوميات تفريقية مستوردة. فلماذا نقسم أنفسنا إلي صنائع لبلد أو لآخر؟

ولسوء الحظ، فإن تلك القلة العاملة من أجل الفرقة بين المسلمين هي الأعلي صوتا بسبب الدعم المالي الذي تتلقاه. والأغلبية الصامتة مغلوبة علي أمرها في الماضي لم يوجد بيننا حتى تلك الحفنة من دعاة الفتنة. ومن المفارقات أن الغالبية بين

أولئك الناعقين الانفصاليين هم من بين من يسمون الشيوخ.

إن الدين ليس ناديا للرقص، ولا للموسيقى. إن الدين لله. وبما أن ديننا، واحد وربنا، واحد، وقبلتنا واحدة وقرآننا، واحد وشهادتنا واحدة بأنه لا إلله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فما الداعي لأن نتشاحن علي أمور يسيرة؟ يقول الله تعالي: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ

4.

بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿53﴾ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينِ ". ويأمرنا

الله تعالي أن لا نقول لمن يلقي إلينا السلام لست مؤمنا ولنقرأ قوله سبحانه وتعالي:

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا كَذَلِكَ وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كُنتُم من قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ

خَبيراً. (النساء (94)

وما دام القرآن يأمرنا بأن لا نسمي من يلقي إلينا السلام كافرا، فكيف ننعت بها من ينطق بالشهادتين؟ ليس ثمة بدعة أسوأ من تلك. والفتنة أشد من القتل. فما السر في حدوث هذا في العقود الأخيرة؟ إنها ثمرة لثلاثة كوارث أصابت الإسلام في شرق إفريقيا في العقود الثلاثة المنصرمة. أما المصيبة الأولي فهي سقوط سلطنة زنجبار التي اعتادت علي احترام العلم والعلماء وتكريمهم، مما جعلها مثابة وقطبا

369

3

السيد خليفة بن حارب البوسعيدي ولد يوم 26 أغسطس. كان سلطان زنجبار التاسع ما بين 9 ديسمبر 1911 إلى وفاته في 9 أكتوبر 1960

4 المؤمنون:: 52 - 54.

368